أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

معالجة النفايات الطبية: التزام بين المستشفيات.. و”المنتجون الصغار” خارج التغطية

الإثنين 25 ايلول 2017

خبراء يؤكدون أن غياب الوعي بخطورة النفايات يصعّب مهمة معالجتها

منال عمر*

*نشرت في جريدة الغد بالتعاون مع منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان
عمان – شهد العام 2015 اشتعال مكب نفايات تابع لوزارة البيئة بمنطقة سواقة، الذي يبعد نحو 60 كم عن مناطق مأهولة بالسكان. آنذاك، صرح أمين عام وزارة البيئة، أحمد القطارنة، أنه “لا تأثير صحيا على المواطنين نتيجة إحتراق هذه النفايات”.
هذه الحادثة لم تعلق في أذهان كثيرين، لكنها ارتبطت بذاكرة المواطن أحمد الحديد (45 عاماً) الذي يعمل في محل لمواد البناء ليس ببعيد عن منطقة مكان المكب، “عندما علمنا بالحريق، أول ما فكرت به هو النفايات الطبية وما يعنيه من أدخنة كيماوية بالضرورة سوف تتحول إلى سُم منبعث في الهواء الذي نتنفسه”.
رغم تأكيد الجهات الرسمية آنذاك أن لا تأثير للحريق على البيئة، لكن أحمد شكك في ذلك، فلا دخان بلا تأثير. يعلم أنه شخصيا لا ينافس مؤسسات طبية تنتج قمامة طبية بالأطنان سنوياً.
تصنّف وزارة البيئة النفايات الطبية إلى خطرة وغير خطرة؛ الخطرة منها تشكل ما نسبته 10-25 % وهي نفايات معدية، أما غير الخطرة؛ فتشكل 75-90 % من إجمالي النفايات الناتجة عن المستشفيات والنفايات العامة المنزلية، كالورق والكرتون والبلاستيك.
يوجد في الأردن 21 مكب نفايات، لا تلبي جميعها الإحتياجات الصحية لطمر النفايات، بإستثناء مكب نفايات الغباوي ومكب خاص بالنفايات الخطرة في منطقة السواقة، غير أن جميعها أصبحت تشكل جزءا من الماضي أمام تقنيات التعقيم الحراري الذي باتت تنتهجه مستشفيات القطاعين الحكومي والخاص.
تؤكد وزارة البيئة أن آلية التخلص من النفايات الخطرة تتم وفق طرق علمية مدروسة من خلال طمرها وتخزينها وفقا لأحدث المواصفات. فيما يستقبل مكب الغباوي وحده، نحو 50 % من النفايات الصلبة المولدة في الأردن، وفق تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان لسنة 2016.
“النفايات الطبية هي من أخطر النفايات وكذلك الأدوية أيضا لأنها تحتوي على مواد سمية وكيماوية، إذا لم تعالج بالطريقة الصحيحة سوف تتسرب الي البيئة المحيطة والمياه، وإذا تلوثت المياه سواء السطحية منها أو الجوفية سوف تؤثر على النباتات والحيوانات والإنسان”، تقول مسؤولة حملات المناخ والطاقة بالوطن العربي لمنظمة “Indy Act” صفاء جيوسي.
الغباوي والهدف المنشود
يقع مكب الغباوي للنفايات الصلبة في منطقة أُحد على بعد حوالي 40 كم شرقي عمان، في منطقة شبه قاحلة على مساحة تقدر بـحوالي 2 كم2. “لقد جرى تأسيس المكب العام 2003 ليكون بذلك مكب النفايات الرئيسي الذي يخدم مختلف مناطق أمانة عمان الكبرى”، وفق تقرير إدارة النفايات الصلبة GAM الصادر عن أمانة عمان الكبرى، ( تقرير إدارة النفايات الصلبة GAM ال) الصادر العام   2015.
تم إنشاء حارقة للنفايات الطبية إلى الشمال الغربي من منطقة المكب، إضافة إلى ذلك تم بناء منشأة لفرز وتدوير النفايات على الحدود الغربية منه. لا تقطن المنطقة مجتمعات سكانية في المنطقة المجاورة للمكب، وفق تقرير الأمانة.
إن أقرب تجمعات سكانية للموقع هي عبارة عن مزرعة كبيرة تقع على بعد 2.5 كم إلى الجنوب من المكب، بالإضافة إلى مزرعة صغيرة على بعد 5 كم إلى الجنوب الغربي.
النفايات وباء المجتمعات
وفق إحصائية لمنظمة الصحة العالمية، لعام 2015، فإن نسبة المخلفات غير الخطرة عموماً وصلت إلى 85 % من الكم الإجمالي لمخلفات أنشطة الرعاية الصحية، فيما تعتبر النسبة المتبقية البالغة 15 % مواد خطرة يمكن أن تنقل العدوى أو أن تكون سامة أو مشعة.
بحسب تقديرات المنظمة الأميركية لحماية البيئة، فإن نحو 5.2 مليون شخص بما فيهم 4 ملايين طفل يموتون كل سنة بسبب الأمراض التي تنتشر من النفايات بشكل عام ومن ضمنها النفايات الطبية.
تُشير تقديرات مديرية صحة البيئة التابعة لوزارة الصحة الى أن المملكة تنتج حوالي 8 أطنان نفايات طبية يومياً، أي حوالي 2,915 طنا سنوياً من مراكز الرعاية الصحية على اختلافها.
يقول مدير مديرية صحة البيئة، صلاح الحياري، إن مهمة متابعة النفايات الطبية وإدارتها والتخلص الآمن والصحيح منها أنيطت بوزارة الصحة لخصوصية هذه النفايات كونها صادرة عن مؤسسات صحية وطبية.
في العام 2016 اتفقت وزارتا الصحة والبيئة، على تحديد الأدوار والمسؤوليات في إنفاذ التشريعات والرقابة والتفتيش على مؤسسات الرعاية الصحية وعلى الشركات التي تقدم خدمة معالجة النفايات الطبية”، فيما بدأت أمانة عمان بمتابعة النفايات الطبية، بعدما تبين أن العديد من المستشفيات تقوم بخلط النفايات الطبية بالمنزلية من خلال رصدها في حاويات النفايات المنزلية وفي المحطات التحويلية.
رغم تحديد القانون وإشارته إلى العيادات والمراكز الصحية والمختبرات وغيرها إلا أن التركيز ينصب على المستشفيات والمراكز التي تنتج نفايات بكميات كبيرة وليس على “المنتجين الصغار” وفق دراسة أعدها المهندس محمود العساف حول النفايات الطبية.
يشير العساف في دراسته إلى أن المنتجين الصغار، ينتجون حوالي 1 كلغ نفايات في اليوم وهذه الكمية تعد قليلة مقارنة بما تنتجه المستشفيات، وبهذا تزداد احتمالية التخلص من الكميات القليلة في حاويات النفايات المنزلية. ما يعني أن هؤلاء المنتجين مازلوا خارج التغطية.
المعالجة بين التعقيم الحراري والحرق
“المستشفيات الأردنية تنتج نفايات طبية 83 % منها نفايات معدية، 12 % نفايات حادة، 5 % نفايات حاملة خطر العدوى”، يقول العساف.
ويعتقد أنه “لا بد من توفر معدات وأجهزة ذات كفاءة عالية قادرة على تخليص تلك النفايات من التلوث الذي تحمله”.
غير أن الحياري، يعتقد أن وضع شروط ومعايير من قبل وزارة الصحة للتخلص الآمن من النفايات الطبية، سوف يشجع استخدام التقنيات البديلة عن الحرق الصديق للبيئة لمعالجة النفايات الطبية.
تعمل وزارة الصحة على متابعة محارق النفايات الطبية والتحقق من درجة الحرارة وطريقة التشغيل المتبعة، كما يؤكد الحياري.
“غالبية المحارق الموجودة قديمة ولا تتوفر فيها وسائل لضبط ومعالجة الانبعاثات الصادرة عنها، ويجري العمل على استبدالها في الغالب بتكنولوجيا صديقة للبيئة (التعقيم الحراري)، بحسب رئيس وحدة المتابعة البيئية في أمانة عمان المهندس نضال الموسى، ويقول: “هي الطريقة الأمثل لمعالجة النفايات الطبية كونها أجهزة لا تصدر أي إنبعاثات، تعمل على درجة حرارة 180-185 وبضغط 3-3.5 بار، تتم معالجة النفايات فيها لتخرج على شكل قطن ملون”.
تعقيم حراري بديل للمحارق
في العاصمة عمان، جرى استبدال معظم المحارق بأجهزة التعقيم الحراري، ويلفت الموسى إلى وجود شروط لاستيراد أجهزة التعقيم والتي تتطلب عدة موافقات من وزارات الصحة والبيئة والمياه والري وأمانة عمان، “الآثار البيئية الضارة التي تحملها طريقة الحرق والانبعاثات لغازات خطرة ومسرطنة والملوثات العضوية الثابتة تبقى في الهواء لفترات طويلة وتنتقل عبر الرياح، ولكن تبقى هنالك أنواع من النفايات الطبية لا يمكن معالجتها إلا باستخدام الحرق كالنفايات التشريحية والنفايات الصادرة عن معالجة السرطانات”.
تنتج المملكة سنويا زهاء 2,5 مليون طن من النفايات الصلبة، وما يعادل 2745 طنا من النفايات الطبية، و45 طنا نفايات صناعية خطرة، فيما ينقل إلى مركز معالجة النفايات الخطرة في سواقة ما يعدال 2000 طن سنويا.
تغطي خدمة جمع النفايات الصلبة البلدية ما يعادل 90 % من المناطق الحضرية، و70 % من المناطق الريفية، وتمثل نسبة النفايات العضوية 50 % من حجم النفايات الكلية.. نسبة المواد البلاستيكية القابلة لإعادة التدوير 35 %.
توعية الكوادر الطبية وفق طلبهم
يؤكد الحياري انه ومنذ صدور تعليمات إدارة النفايات الطبية للعام 2001 تم عقد 5 دورات تدريبية لكوادر مديريات الصحة العاملة في مجال الرقابة والتفتيش على إدارة النفايات الطبية، اللافت أن تدريب كوادر المستشفيات يتم بناء على طلبهم وأن مستشفى واحدا فقط يتم تدريبه سنوياً اثناء العمل وهو مستشفى الجامعة الأردنية، وما تبقى من مستشفيات ومراكز صحية توزع عليها بوسترات متعلقة بكيفية الفرز.
في تقرير وزارة البيئة السنوي عن العام 2016، فإن نسب النفايات الدوائية، المرتفعة بين الأعوام 2007 حتى 2012 تعود إلى “عدم معرفة الجهات بكيفية إتلافها عن طريق وزارة البيئة، فيما زاد الوعي بكيفية إتلاف الأدوية منذ العام 2012”.
تقوم وزارة البيئة بدورها الرقابي، لكنها -وفق الجيوسي- لا تستطيع أن تسيطر على الحجم الهائل من التعديات، في إشارة منها إلى غياب الوعي بين باقي المؤسسات ذات العلاق بالتعامل مع النفايات الطبية.
تضيف الجيوسي أنه لا بد أن يكون هناك جهد جماعي من الوزارات والجهات ذات العلاقة، غير أن هناك دورا توعويا يقع أيضا على عاتق منظمات المجتمع المدني.
إجراءات رقابية توحي بالتزام بالقانون
في مجال الرقابة والتفتيش تقوم وزارة الصحة والأمانة بعمل زيارات وكشوفات على المستشفيات والمراكز الصحية كل حسب صلاحياته. “هنالك إجراءات عديدة لتحديد مدى التزام مؤسسات الرعاية الصحية بالقانون تتمثل بالتزام المستشفيات بإرسال جداول لكميات النفايات الطبية المتولدة عنها ومقارنتها بالكمية المتوقعة شهرياً اعتماداً على عدد الأسِرة ونسبة الإشغال”، يقول الحياري.
كوادر الأمانة تقوم بجولات كشفية، مهمتها التأكد من عدم خلط النفايات الطبية بالمنزلية، والتحقق من فعالية جهاز التعقيم، والتأكد من تخزين النفايات الطبية داخل غرف مهيأة وملائمة للتخزين، هذه الكشوفات تطال المستشفى مرتين في السنة.
رصدت فرق أمانة عمان خروقات من قبل مستشفيات، لكنها قليلة لا تتجاوز ثلاث خروقات في السنة، هذه أرقام متفائلة حسب الموسى، الذي أشار الى أنه “سابقاً كانت نسبة الخروقات القانونية من 40-50 %”.

لا توجد اتفاقية دولية تتناول معالجة النفايات الطبية مباشرة غير اتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود لكنها لا تتطرق إلى آلية التعامل مع النفايات الطبية ومسؤوليات الدولة تجاهها. فيما تدخل إتفاقية إستوكهلم في مسؤوليات الدول بحماية صحة الإنسان والبيئة من الملوثات العضوية الصلبة.

مستشفيات خاصة والالتزام بالمعايير
يؤكد رئيس جمعية المستشفيات الخاصة، د.فوزي الحموري، التزام “غالبية المستشفيات الخاصة بأنظمة تعقيم خاصة لمعالجة وتخزين النفايات الطبية، وذلك توفيرا للجهد والوقت والمال وعدم الاضطرار للجوء إلى تخزين النفايات الطبية أو نقلها إلى جهات أخرى”.
تعمل الجمعية بالإتفاق مع وزارتي الصحة والبيئة حول إجراءات تعقيم النفايات الطبية، بما في ذلك نقل وتخزين النفايات، وإعلام المستشفيات الخاصة الأعضاء في الجمعية، بأية إجراءات أو تعليمات تصدر بهذا الخصوص سواء من وزارة الصحة أو وزارة البيئة لضمان تنفيذ هذه التعليمات وبما يحقق السلامة العامة، وفق الحموري.
لم يرد لجمعية المستشفيات الخاصة أية شكاوى عن وجود مخالفات من مستشفيات للتعليمات الخاصة بالنفايات الطبية، وفق قول الحموري، ومع ذلك فإنه لا بد من وجود شكاوى محدودة وهي توجه الى وزارة الصحة وتقوم الوزارة من خلال لجنة المستشفيات الخاصة بالتحقق من هذه الشكاوى واتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المخالفين.
هل نقلق لخلط “الطبية بالمنزلية”؟
يجيب العساف أن “خلط النفايات الطبية في حاويات النفايات المنزلية يحمل أخطاراً عديدة تبدأ من حاوية النفايات المنزلية، إلى سيارات النقل (طاحنات النفايات المنزلية)، إلى وصولها إلى مكب النفايات المنزلية”؛ بدءاً من احتمالية العبث من قبل نابشي الحاويات المنزلية، إلى إحتمالية عبث الأطفال بالحاويات، أو نقل الحيوانات إلى تلك النفايات”.
القاعدة العلمية البيئية تقول إنه إذا تم خلط نفايات ملوثة بغير ملوثة حتى وإن كانت كمية النفايات الملوثة قليلة تصبح كل الكمية خطيرة وملوثة، يقول العساف.
إحدى الجمعيات العاملة بمجال خدمة الرعاية التمريضية المنزلية، تتعامل مع أدوات طبية بشكل دائم؛ من إبر وأنابيب وريدية، حيث لا تتعامل مع النفايات تلك، بطرق علمية، بل تترك لذوي المريض، للتصرف بها، والذين بالضرورة يتخلصون منها بنفاياتهم المنزلية.
تذكر دراسة العساف أن هناك العديد من الطرق التي تنتقل العدوى بها لأمراض عديدة كإلتهاب الكبد الوبائي A,B,C، السحايا، نقص المناعة المكتسب، هذه الأمراض وغيرها الكثير تنتقل إلى جسم الإنسان عبر تعرضه للوخزات والجروح والخدوش، أو عبر الأغشية المخاطية، أو التنفس والاستنشاق.
تدعو الناشطة البيئية الجيوسي الدولة إلى ضرورة إيلاء أهمية كبرى لآليات فاعلة لمعالجة النفايات الطبية، وتنظيم هذا الملف الذي يثقل كاهل الدول في ظل غياب الوعي بأهمية التخلص الآمن للنفايات الطبية.

*التقرير بدعم من منظمة “صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR”.


أضف تعليق

 

*