أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

الإختفاء القسري جريمة فلماذا لا يصادق الأردن على الإتفاقية؟

الخميس 7 ايلول 2017

هبة أبو طه*
*نشرت القصة في موقع جو24 الاخباري http://bit.ly/2iLeOVW

قامت قوة أمنية بإقتحام منزل محمد أحمد في تموز من العام الماضي، أقدموا خلالها على إعتقال ابنه سامر البالغ 27 عاماً.  لكن الأمر لم ينته عند هذا الحدث.

بدأ والد سامر رحلة بين أماكن الإحتجاز ومراكز الإصلاح يسأل عن إبنه، وإتصالات وجولات بين مراكز حقوقية مختلفة، إستمرت لمدة 45 يوماً، حتى تلقى إتصالا من ابنه سامر ابلغه به انه كان محتجزا في مركز توقيف الأجهزة الأمنية ولم يُسمح له بالاتصال بأحد حتى ترحيله الى سجن موقر2، على خلفية إتهامه بالترويج لجماعة ارهابية.

عدم إعلام الأسرة بمكان إعتقاله، كان له أثر سلبي على عموم عائلته، وأدخلهم في شكوك بوجوده في الأردن أو خارجه، أو إمكانية إختطافه وغيرها من سيناريوهات نسُجت بمجرد مرور شهر ونصف على إختفائه.

الإختفاء القسري، كما تعرّفه الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري  في المادة  الثانية منه، أي اعتقال أو احتجاز أو اختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الإعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون.

الناشط الحقوقي، فادي القاضي، يعتقد أن هذا النمط من الإنتهاكات، مردّه “عدم وفاء الأردن بمتطلبات الإتفاقيات التي صادق عليها”، وأنه في حال فعّل الأردن تنفيذها بشكل لائق “لن نسمع حينها عن تلك الإنتهاكات وغيرها”. 

لم يصادق الأردن على إتفاقية حماية الأشخاص من الاختفاء القسري، رغم تصريح الناطق باسم الحكومة السابق، محمد المومني، بالمصادقة عليها في تشرين الأول من عام 2013، خلال الإستعراض الدوري الشامل، في أكتوبر 2013، إبان قراءته للتقرير الحكومي عن حالة حقوق الإنسان في الأردن.

يؤكد مجلس حقوق الانسان أن أفعال الاختفاء القسري قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وفقًا للتعريف الوارد في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

غياب “الإختفاء”من أجندة المنظمات

تقّر المديرة التنفيذية لمنظمة مجموعة القانون من أجل حقوق الإنسان “ميزان” إيفا أبو حلاوة، أن المجتمع المدني لم يناقش بعد الإتفاقية مع الحكومة للضغط المدني عليها لأجل المصادقة. “نحن مقصّرين كمجتمع مدني في التعريف بإتفاقية حماية الأشخاص من الاختفاء القسري، ويجب علينا مناقشة الإتفاقية مع الحكومة ومن ثم العمل نحو مصادقتها عليها، حماية وصونا للأشخاص من أي اختفاء قسري قد يقع، ومحاسبة المسؤولين عن ذلك، علاوة على انها أحد ضمانات حماية حقوق الانسان”.

يتطلب تصنيف حالات الإختفاء القسري، بتوافر عدة شروط، يوضحها الناشط الحقوقي فادي القاضي، في صورة الانفوغراف مرفق مع التقرير، وهي ظروف تتشابه وحالة سامر وكذلك حالة الشاب رمزي الذي أمضى 30 يوما مختفياً وعائلته تحاول معرفة مكان احتجازه.

تم إعتقال الشاب رمزي، في شهر حزيران الماضي، بعد قيام قوة أمنية بإعتقاله على خلفية إتهامه بالإنتساب لعضوية جمعية غير مشروعة “حزب التحرير”، وبعد مرور شهر من المحاولات العديدة تمّكن محاميه موسى العبدالات من معرفة انه محتجز لدى مركز توقيف تابع للأجهزة الأمنية وممنوع من الإتصال بعائلته أو حتى فيه، وفقا للناطق الإعلامي بإسم حزب التحرير، ممدوح قطيشات.

إحتجاز تعسفي

أبدى الفريق العامل المعني بالإحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة، في نيسان العام 2016، رأيه ازاء ادعاء باحتجاز عامر دون اذن توقيف و بمعزل عن العالم الخارجي لمدة شهرين، في مكان مجهول، لم يتمكن خلالهما من الإستعانة بمحامي او حتى بإبلاغ أسرته بإحتجازه، وأشاروا إلى عدم تبليغ الأجهزة الأمنية ذويه بمكانه، وجاء ذلك بعد إقتحام منزله من قبل 20 فرداً استعملوا العنف في تقييده، وهددوه بالقتل آنذاك.

كان رأي الفريق بأن هذه الإجراءات تنتهك المادة التاسعة المشتركة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

المادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الانسان، تؤكد على عدم جواز عتقال اي انسان او حجزه أو نفيه تعسفاً، كذلك  المادة التاسعة ايضا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية  في أول ثلاث فقرات منها على ” لكل فرد حق في الحرية وفي الأمان على شخصه، ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا، ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبق الإجراء المقرر فيه، ويتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه كما يتوجب إبلاغه سريعا بأية تهمة توجه إليه، ويقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعا إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه”.

 انتهاك متكرر ومحرّم

يؤكد المحامي عبد القادر الخطيب، تعرض العشرات من المعتقلين للإختفاء قسري، يقول أن هناك العشرات من المعتقلين وتحديدا أولئك الذين اعتقلوا على خلفية قانون منع الارهاب، كانوا يمكثون من شهر إلى شهرين في الدائرة وهم في معزل عن العالم الخارجي، ولا يعلم أحد بأماكن احتجازهم.

رغم عدم مصادقة الأردن على اتفاقية حماية الأشخاص من الاختفاء القسري الا أنه يترتب عليه إلتزامات وان لم تكن بموجب هذه التفاقية، فجزئية عدم الإتصال بالعالم الخارجي وإنتهاك حقه بتوكيل محامي واعلامه بالتهمة وتبلغ عائلته بمكان الإحتجاز، حقوق يكفلها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، تقول ايفا أبو حلاوة.

من جهته، نفى المنسق الحكومي لحقوق الإنسان باسل الطراونة، وجود اختفاء قسري في الأردن، و يقول إن “الاختفاء القسري من المحرمات في دولة تنتعش في حالة حقوق الانسان”.

يؤكد الطراونة قيام الجهات المعنية بإرسال ورقة بأسماء المحتجزين بشكل مستمر للصليب الاحمر و إلى المدعي العام، والمركز الوطني لحقوق الانسان، مشيرا الى أن القرار الرسمي الذي صدر في آب و القاضي بالسماح للمركز الوطني لحقوق الانسان بزيارات غير معلنة لأماكن الاحتجاز في دائرة المخابرات العامة، “يسمح للمعتقلين بالاتصال بعائلاتهم و المحاميين فور اعتقالهم”.

في ذات السياق، روى الشاب عبد الرحمن لميدان ما جرى معه حين ذهب للأجهزة الأمنية عام 2015 بعد استدعاءه للتحقيق معه لأسباب سياسية، حيث مكث حينها لمدة 14 يوما في الدائرة بعد ذهابه لمراجعتهم، دون تبليغ عائلته بمكان إحتجازه أو حتى السماح له بالاتصال مع محامي.

كانت المنظمة الأوروبية البحرينية، أصدرت في مارس العام 2015 بياناً طالبت الأردن بالكشف والإفصاح عن مكان إخفاء الطالب البحريني جعفر قاسم قسراً لأكثر من عشرين يوماً بعد قيام الأجهزة الأمنية بمداهمة منزله و مصادرة أجهزته الالكترونية، وإعتقال الشباب الذين معه في نفس المنزل، فيما تم الإفراج عنهما بعد التحقيق حول نشاط مزعوم لجعفر وإن كان قد تدّرب على السلاح. أشارت المنظمة الى أنه لم يُسمح لجعفر الإتصال بعائلته أو محاميه، وعدم علم ذويه و ممثله القانوني بمكان احتجازه.

بدوره، يؤكد مصدر أمني، فضل عدم ذكره أسمه، عدم وجود إختفاء قسري في أي من مراكز التوقيف والاحتجاز التابعة لمديرية الأمن العام.

بينما أبلغنا الناشط هشام الذي أفرج عنه مطلع شهر آب الجاري، بقصة شخص كان يقبع أمامه في سجن ماركا بزنزانة إنفرادية، يقول بتسجيل صوتي لدى معدة التقرير، ” كان أمامي شخص يقبع في زنزانة انفرادية، وصّاني أن أبلغ أسرته بمكان تواجده، حيث انهى الشاب محكوميته بتهمة الترويج لجماعات ارهابية ليكتشف تلفيق تهمة أخرى له متعلقة بذمم مالية، وعلى خلفية ذلك تم نقله لسجن ماركا ولم يسمح له بإبلاغ ذويه بمكان تواجده، أو حتى التواصل مع محاميه، وكان قد امضى على هذا الحال 22 يوماً، والآن لا ادري شيء عنه ولم استطع الوصول لعائلته”.

موقوفون لا يفصح عن مكان إحتجازهم

يؤكد رئيس وحدة المساعدة القانونية بمركز عدالة لدراسات حقوق الإنسان، المحامي حسين العمري أن “أغلب المعتقلين لدى الجهاز الأمني في الأيام الأولى أي من اسبوع إلى شهر، لا يتم الافصاح عن مكان احتجازهم”.

يشير العمري إلى تلقي المركز 3 شكاوى عن اختفاء معتقلين في الدائرة لكن لم نتمكن من معرفة تفاصيل الشكاوى لأن المركز لم يقم بتوثيقها لغياب المعلومات.

تلفت أبو حلاوة إلى عدم وجود تعريف للإختفاء القسري في القانون، وطالبت بالتصديق على إتفاقية حماية الاشخاص من الاختفاء القسري لمحاسبة المتورطين بجرم الاختفاء القسري أمام القضاء، ورد اعتبار الأشخاص الذين وقع عليهم هذا الانتهاك وتعويضهم، والتعهد بعدم التكرار.

شاب افريقي مفقود

قام مركز عدالة لدراسات حقوق الإنسان، بتوثيق حالة شاب يدعى “محمد طيوب” يحمل جنسية دولة جنوب إفريقيا، أختفى في الأردن بتاريخ الرابع من شهر نيسان الفائت وحتى الآن. قدم خاله ويدعى شامير إلى الأردن بغية تقصي أثره، ويؤكد لمعدة التقرير أنه لم يخرج من الأردن، فالجنوب افريقي محمد طيوب 24 عاما “دخل الأردن ولم يعثر عليه حتى اللحظة”، حيث تحتفط معدة التقرير على تسجيل صوتي للمقابلة. 

المنسق الحكومي، باسل الطروانة، يعلق على الحادثة لنا بالقول أن هذا الشخص “غير متواجد في أي من مراكز التوقيف، وتحديدا في الأجهزة الأمنية، وأبدى استعداده لمساعدة عائلته في متابعة قضيته”.

في التفاصيل قال شامير، في مقابلة مع معدة التقرير الذي أجري داخل مقر مركز عدالة، الذي يتابع القضية، بأن الشاب محمد “كان مقيماً في السعودية، وقد خرج في  30 آذار الماضي للأردن متوجها لفلسطين بغية الصلاة في القدس، وعاد في الثالث من نيسان الى الأردن، وتوجه صباح اليوم التالي للمطار كي يعود الى السعودية، وتحدثت معه بعد وصوله للمطار إلا أنه بعد ساعات إنقطع اتصالي به من حينها حتى هذه اللحظة”.

قدم شامير بلاغاً رسمياً يفيد بفقدانه لدى سفارة بلاده ولدى مركزي أمن مطار الملكة علياء الدولي، وضاحية الرشيد، وشكوى لدى المركز الوطني لحقوق الانسان، والصليب الأحمر، طالب فيه بتقصي أثره والإفراج عنه.

كما قام بزيارة للأجهزة الأمنية مرتين، في المرة الأولى “قال لي موظف هناك هذا الموضوع ليس عندنا”، وبعد أسبوعين اتصلوا به لأجل المراجعة ، “ذهبت وشرحت لهم القصة كاملة وعادوا وأكدوا له أنه ليس  لديهم”.

تعقيبا على هذه الحادثة، يقول المحامي العمري أنهم قاموا في المركز بتصنيف القضية على انها اختفاء قسري بسبب عدم قيام السلطات الرسمية بالتحقيق والكشف عن مصير محمد طيوب.

إختفاء لا إختفاء قسري

يتفق الحقوقي فادي القاضي مع العمري في ضرورة ان تتثبت السلطات الرسمية من حال الشخص المفقود، ويقول: “يجب المتابعة والكشف من قبل اجهزة الدولة عن حال الشخص المفقود طالما وصلتهم أنباء وبلاغات عن اختفاءه، ونشر معلومات بنتائج التحقيقات المتعلقة به باسرع وقت”.

يصف القاضي حالة الطيوب بأنها تندرج تحت بند الاختفاء، ولا تصنف اختفاء قسري الا عندما يوجد دليل انه موجود لدى السلطات المختصة ولا تقر وجوده لديها وتنكر احتجازه.

ويؤكد لنا مصدر أمني مرة أخرى عن عدم وجود الشاب محمد في أي من مركز التوقيف التابعة لمديرية الأمن العام.

كانت الاتفاقية الدولية لحماية الاشخاص من الاختفاء القسري، دخلت حيز التنفيذ بتاريخ 23 كانون الأول 2010 والتي تتطلب مصادقة الدولة عليه لضمان دخول احكامها التطبيق في الدولة المعنية.

*صحفية مستقلة متخصصة بالحريات العامة وحقوق الإنسان

*بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان الكندية JHR


أضف تعليق

 

*