أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

التنافس يكسب الجمهور قصصًا ومعرفة أكثر

الأربعاء 30 آب 2017

*المدونة نشرت مطلع العام الجاري باللغة الانجليزية http://bit.ly/2iT0Q4f
دانة جبريل*

في العام الماضي، عندما أعلنت  منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR عن فتح باب الترشح لجائزة أفضل تقريرين صحفيين في قضايا حقوق الإنسان، كنت لا زلت أعمل على تقرير عن قتلى المداهمات الأمنية في الأردن خلال السنوات الثلاث الماضية، وكانت محافظة معان عامود قصتي نظرًا لكثافة الوفيات الحاصلة بها خلال المداهمات الأمنية.

كنت قد زرت معان، وسمعت قصصها، حينها شعرت بأن هذه المادة الصحفية هي التي أرغب بأن تمثلني بأي منافسة صحفية قادمة، وبالرغم من أني مؤمنه بالعديد من القضايا التي كنت قد أنجزتها منذ بداية العام، لكن توّلد لدي إصرار ما، إما أن تكون هذه المادة التي سأقدمها للمنافسة وإما لا، فلم أرشّح نفسي.

 

في هذا العام، عندما أعلنت المنظمة عن فتح باب الترشح، ترددت مجددًا، كيف ستناقش لجنة التحكيم مادة صحفية رفض العديد من نشطاء حقوق الإنسان إبداء الرأي حيالها سابقًا ” لحساسيتها”، وهل سيكون مقبولًا للجنة التي لم أكن أعرف أعضاءها تقييم المادة؟ وما مدى استقلالية اللجنة، لكن بالنهاية تقدمّت بالمادة، فقط لأني أرغب بأن تخوض المنافسة، وأنا مقتنعة بأنها إن فازت أو خسرت؛ هي قضية لا تخسر، ومادة صحفية سأبقى أفخر أني أنجزتها يومًا ما.

إلى جانب  مادة المداهمات الأمنية، قررت أن أقدم  مادة أخرى حتى إذا ما تم استبعاد الأولى، فتقدمت بمادة عن واقع الصحة النفسية بالأردن، وكيف لا تُسأل الحكومة عن مسؤوليتها في كل جرائم القتل أو حوادث الانتحار التي تحصل بدافع عللٍ أصاب الصحة النفسية.

عند إعلان نتائج المسابقة، تفاجأت بفوز تقرير القتلى في المداهمات الأمنية: قوة مفرطة أم دفاع عن النفس، بالجائزة الأولى، وتقرير” الصحة النفسية في الأردن: ماذا بعد محاولات الانتحار؟” بالمرتبة الثانية عن نفس الجائزة.

 

تسأل مادة المداهمات الأمنية، عن الحق بالحياة لجميع الناس بالدرجة الأولى، لرجل الأمن والمطلوب الأمني وعموم السكّان، وهل أخطأت السلطات في تعاطيها مع قضايا بعض من أصبحوا لاحقًا مطلوبين خطرين جدًا، أدت لخسارتنا أرواحًا كثيرة من مختلف الجهات، وهل نؤمن أن مبادئ ضمانات المحاكمات العادلة  مع المطلوبين أمنيًا وعائلاتهم يحقق المزيد من الاستقرار  بدلًا من السير في دوامة عنف يخسر بها الجميع؟

أما تقرير الصحة النفسية، فجاء بعد انتشار العديد من أخبار جرائم القتل أو حوادث الانتحار، والتي تسرع الدولة بأن تغلق ملفاتها بحجج الأمراض النفسية، وكأنها ذلك مبررًا يعفيها من المساءلة عن واقع مؤلم يمس حياة كل شخص في المجتمع، وهو الحق بأن يحظى برعاية نفسية كلما احتاج، وأن تكون متاحة للجميع بجودة عالية.

 

لا أنكر بأن للفوز طعم جميل على المستوى الشخصي، تحديدًا لأني فزت بهاتين المادتين اللتان تعنيان لي الكثير، لكني كنت سعيدة أكثر لأني مادة صحفية عن مدينة معان المهمشة تفوز بجائزة، تذكرت بعض ما قاله أهالي معان عندما زرتهم، حينها وصف بعضهم وسائل الاعلام بالعدوة،لانها صوّرتهم ” كالوحوش”، أو المدينة الخطيرة، وكنت في تلك الفترة بحاجة لكثير من الوقت و الثقة مع الأهالي كي أسمع وأفهم قصصهم،  وبإعلان الجائزة شعرت بنجاح الإعلام في التواصل مع مدينة يشعر أبناءها بهذا الحجم من التهميش.

أما ما جعلني أكثر سعادة، بأن الجائزة جاءت ترد لي سوء نيتي حيال المسابقات ولجان التحكيم، عندما تساءلت عن استقلالها وحريتها، و شعرت بعد إعلان الجائزة بالخجل، وفهمت أن كثيرًا ما يكون العائق في عملنا عمومًا هو ضرب من الرقابة الذاتية والخوف من الفشل ومن ردود فعل الآخرين، ما قد يجعلنا نتردد احيانًا في المضي بخطوات نحن نثق ونؤمن بها وبفكرتها، لكننا نخشى الفشل ونتسرع بأحكامنا نتوقع ضيق الأفق.

إلى جانب الجائزتين، فاز تقرير “ منسيون في العراق: أردنيون مسجونون ينتظرون العودة لبلادهم” من اعداد الزميل عز الناطور بجائزة تكريمية من لجنة التحكيم نظرًا لأهميته، فكان الفوز ليلتها حليفًا لمؤسستي حبر، التي أأومن أنها الوحيدة التي من الممكن أن تنتج قصة صحفية مهمة بهذا القدر من الحرفية، وأنها نقطة القوة في كل الأفكار الصحفية التي قد تخطر في البال ونحاول معالجتها.

 

في تلك الليلة، لم نفز أنا وعزالدين وحبر فقط، فإلى جانبا كانت نادين النمري ورانيا صرايرة وهبة أبو طه وهبة الحياة عبيدات ومنيرة الشطي وأسماء رجا ورامي زلوم، صحفيون مؤمنون بالفكرة، حصلوا على تقدير لجنة التحكيم على تقاريرهم المهنية المهمة، والتي خلقت كل منها جدلًا عامًا ومهمًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تكون غيّرت في وعي الكثيرين وتعاطيهم مع قضايا طالما هُمّشت.

تسابق جميع من تقدّم للجائزة بتناول القضايا الحياتية اليومية من زوايا حقوقية في وسيلته الاعلامية، من أجل التوثيق ورفع الوعي وتحقيق حياة أفضل للإنسان، وهذا بحد ذاته نجاح للفكرة، وفوز لكل من تقدّم للمسابقة بدافع الفكرة والمبدأ، ونجاح لمشروع صحافة حقوق الإنسان بالأردن بقيادة محمد شمّا.

 

في الفترة الماضية شهدت الأردن أحداثًا غير عادية، عندما أطلقت مجموعة مسلحة النار على الأجهزة الأمنية، أدت لاستشهاد 7 رجال أمن، وثلاثة مدنيين،  قبل أن يُقتل المسلحون، في نهاية اليوم التالي للحادثة كانت حبر قد نشرت تغطية خاصة بالقصة، عمل عليها فريق كامل لتوضيح التسلسل والسياق للناس، في ذلك اليوم تلقيت إشادة على ” نجاح” التقرير الذي كنت جزءًا من معدّيه، وسمعت التهاني كما لو أنني ربحت جائزة جديدة، فهمت حينها أكثر حاجة الناس صاحبة الحق بالمعلومة، وأن  الجائزة هي في كلّ تقرير جيد يعطي المعلومة أو يخلق الجدل حول القضية، المهم أن يشترك الناس بسياق الأحداث، وأن يشعروا أن لهم رأي أو فكرة يرغبون في التعبير عنها، وأن يفتح لهم المجال في ذلك، وأن يناقشوا القصة، فربما يحدثون  الضغط أو الحشد لاحقًا.

 

التنافس للحصول على الجائزة ذات البعد المعنوي، يعني بأن عدد أكبر منا أصبح أكثر حرصًا على التغطية الصحفية من عين حقوقية، ترصد سلوك السلطات دومًا تجاه التشريعات والمعاهدات والمواثيق الدولية التي باتت تخرقها بثقة دون مساءلة، لكنّ الجميل بأننا تنافسنا بمن يبذل مجهود  أكبر في توضيح القصة للناس وتبسيطها، والاهتمام بالحصول على مختلف البيانات حولها، واستخدام أفكار إبداعية في التعبير عن تلك البيانات، وفهم الروابط القانونية المتعلقة بالقصة، أي أننا عندما تنافسنا ربح الجمهور ربح قصصًا ومعلومات أكثر، ومساحات أكبر للتعبير عن الرأي.
*صحفية في مجلة حبر


أضف تعليق

 

*