أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

الإساءة المسكوت عنها ودفن الرأس في الرمال

الأربعاء 30 آب 2017

نادين النمري*

لم تكن كتابة هذه المدونة بالسهولة التي توقعتها، كتبت وشطبت أكثر من 6 مرات، ربما لأني لم أتمكن من إيجاد الكلمات التي تصف تحديدا ما مررت به عند كتابتي للتقرير المعمق حول “الاساءة المسكوت عنها: العنف الجنسي ضد الأطفال خلف الابواب الموصودة”.

لم تكن المرة الأولى التي أكتب بها عن هذا الملف؛ كصحفية تكتب في قضايا الطفولة كان هذا الملف من ضمن ملفات عدة تم التطرق لها سواء في قصص، تقارير اخبارية وحتى تغطيات، لكن ظروف تقريري الأخير، “عنف جنسي ضد الأطفال عنف مسكوت عنه” كانت مختلفة.

في السادس من تموز الماضي أفاق الأردنيون على وقع جريمة قتل بشعة ذهب ضحيتها الطفل أحمد البالغ من العمر 7 أعوام على يد جار لهم بعد تعرضه لإعتداء جنسي، وقتها طلب مني مديري في الصحيفة متابعة القضية وتغطيتها، امام سرعة توارد الأخبار وجري الصحافيين وراء السبق متجاوزين في كثير من الأحيان الأسس الأخلاقية والمهنية في متابعة قضية إنسانية حساسة من هذا النوع أثرت التنحي جانبا وعدم الكتابة.

ما نشر في الإعلام كان مستفزا من عناوين كـ”شاهد بالفيديو: والدة الطفل منهارة”، الى “مؤثر جدا: جنازة الطفل السوري”، و “صور الطفل القتيل” واخيرا مقابلة صحفية مع والد المتهم يتحدث بها الأب عن المعونات التي قدمتها عائلة الجاني لعائلة الضحية ويشكك في صحة ان يكون ابنه قاتلا رغم اعترافات المتهم.

التقارير الصحفية كانت تسعى وراء الإثارة وجذب أكبر عدد ممكن من القراءات والمشاهدات دون مراعاة مشاعر العائلة أو تقديم معلومات مفيدة للاهالي لحماية أطفالهم، تعليقات رواد مواقع التواصل الاجتماعي زادت من الطينة بلة، حيث شكلت الجريمة ساحة لنشطاء مواقع التواصل للتنمر والاساءة لعائلة الضحية، من اتهامات للام بالاهمال، الى تساؤلات كيف يخرج طفل في ساعة متاخرة من الليل، ومطالبات وصلت حد الدعوة لمحاكمة الاهل وغيرها الكثير.

بالمقابل، كانت الحقيقة مختلفة كثيرا عما ورد في الإعلام ومن تنظيرات ومثاليات رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الطفل في هذه الحالة لم يكن مهمل إنما كان جالساً على عتبة منزل العائلة، وكما هو معلوم عتبة المنزل في المناطق الشعبية تحديدا في الشقق الضيقة تعتبر شرفة او مساحة خارجية تابعة للمنزل، الطفل ايضا تعرض لاعتداء من جار العائلة وشخص يفترض به ان يكون محل ثقة، في الواقع ما حصل مع أحمد كان من الممكن أن يحصل مع أي طفل أخر.

صحيح ان ما حصل مع الطفل أحمد كان إستثنائياً لجهة ارتباط الاعتداء الجنسي بجريمة قتل بشعة بعد ذلك، لكن ذلك لا ينفى حقيقة ان الاساءات الجنسية على الاطفال موجودة، شعرت حينها ان هناك حاجة ماسة لكتابة تقرير معمق هدفه التوعية والتنبيه من قضايا العنف الجنسي، ربما مرد هذا الشعور اني كذلك ام وأريد ان اعرف كيف أحمي أطفالي.

لم تكن ايضا الكتابة في الموضوع سهلة امام غياب المعلومات، فادارة حماية الاسرة رفضت الحديث عن ارقام وتفصيلات القضايا، فيما تمكنت بعد شهر من البحث الوصول الى عدد القضايا التي تعاملت معها محكمة الجنايات الكبرى لكن هذا العدد لم يتضمن تفصيلات حول طبيعة المعتدين وصلتهم بالضحايا.

رغم كل التحديات وغياب الارقام لكن كان من المهم نشر التقرير حتى لو كانت الحقائق الرقمية والاحصائية غائبة، فالتقرير حمل العديد من الجوانب والنتائج التي يجهلها نسبة لا باس بها من الاهالي، أهم هذه النتائج:

أولا:  لا يوجد اي طفل محمي تماماً من الإساءة، فخطر الإساءة موجود، وهو لا يقتصر على مناطق أو احياء معينة، الربط بين الإساءة والعيش في منطقة شعبية أو فقيرة ليس ربطا علميا، فالاساءات تحصل في كافة الاحياء وبين كافة الطبقات الاجتماعية.

ثانيا: دوما نحذر أبناءنا من الحديث والتعامل مع الغرباء، لكن الواقع أن المعتدي في غالبية الحالات هم أشخاص معروفون لأطفالنا، في بعض الحالات والتي قد تصل إلى الثلث يكون المعتدي من العائلة نفسها أو الحلقة القريبة للطفل.

ثالثا: يبقى الخجل أو عدم المعرفة هي العقبة الرئيسية في توعية الابناء، فمن السهل ان تقول لابنك لا تتحدث الى الغريب لانه سيخطفك، لكن من الصعب ان تشرح له متى تكون الملامسة من الاشخاص المعروفين أمنة ومقبولة ومتى تكون خطرة وغير مقبولة.

رابعاً: نسعى دوما لتوفير حماية أكبر للفتيات وفي الرقابة عليهن، لكن الواقع يقول ان غالبية الاعتداءات في الاحياء تقع على الاطفال الذكور، وربما ضعف الرقابة والتوعية للذكور باعتبار انه ليسوا هدفا للمسيئين يجعل منهم فريسة اكثر سهولة للمعتدين.

خامساً: حال حدوث إعتداء جنسي، لا سمح الله على طفلك، غالبا لن يخبرك طفلك بذلك، لأسباب نفسية مختلفة من الشعور بالعار الى الشعور بالخوف من المعتدي، ثقة طفلك بك قربك له، ورقابتك المستمرة هي الوسيلة الوحيدة لحمايته.

سادساً: ما صادفته بالتقرير أن كافة الحالات التي تمكنّت من الإلتقاء بها اختارت عدم التبليغ عن الإعتداء الجنسي الذي تعرض له أبناءهم، يقابل هذا الاحجام تدني في نسب الادانة في جرائم الاعتداءات الجنسية حيث تصل نسبة الادانة بالمتوسط بنحو 40%، الى جانب ضعف بل وغياب الخدمات النفسية والاجتماعية في مرحلة ما بعد التبيلغ

سابعاً: الأسوأ ان بعض الحالات التي يتم التبيلغ بها يتبين لاحقا أنها حالات كيدية، في كثير من الأحيان بسبب خلافات أسرية، يغامر الاهالي في صحة اطفالهم النفسية مقابل تصفية حسابات وخلافات أسرية.

 

في الحقيقة لا  أنكر أني كتبت التقرير لنفسي بالدرجة الاولى من دافع أني ام ترغب بمعرفة المزيد حول حماية أطفالها، لم أكن معنية بأي ردود فعل للتقرير ولم أفكر بذلك، لكن فور نشر التقرير تفاجئت بحجم ردود الفعل والتفاعل مع التقرير، فرغم غياب الارقام وعناصر الاثارة التي باتت تتغطى على اعلامنا لكني لمست تعطش الأهالي لمعرفة السبيل لحماية أطفالهم.

كان التفاعل بالدرجة الاولى من أهالي، رغم أنني لم أتوقع أن يكن القارئ مهتماً بقراءة تقرير مكون من ألفي كلمة، لكن الواقع أن الأهالي هم مثلي تماماً يبحثون عن سبل الحماية.

التفاعل الآخر جاء من الجهات الرسمية وشبه الرسمية رغم ما تضمنه التقرير من انتقادات لضعف الخدمات ما بعد التبليغ تحديدا النفسية منها، غياب برامج التوعية في المدارس الرسمية والفجوات في منظومة التشريعات، لكن ذات هؤلاء المسؤولين أقروا بضرورة البدء بتغيير والحديث عاليا عن المشكلة.

بالمحصلة ليس من المنطقي ان نبقى كالنعام ندفن رؤسنا بالرمال، المشكلة وبغض النظر عن حجمها موجودة والاهالي غالبا غير قادرين وجاهلين بأساليب الحماية.

 

*صحفية في جريدة الغد اليومية


أضف تعليق

 

*