أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

مهن ‘‘ساخنة‘‘ تتفاقم مخاطرها مع حرارة الطقس

الأحد 13 آب 2017

تم نشره في الاثنين 7 آب / أغسطس  2017 في جريدة الغد

تجه إلى شارع المدينة المنورة المتعارف عليه “شارع الجوعانين”، فيرتدي مريول العمل والقفازات، ويضع “عصبة” يلف بها جبينه مع رأسه، يأتي بسيخ الشاورما، يشعل الموقد، يتفقده بين لحظة وأخرى، ليتأكد من كفاية النار لبدء اللحم بالاستواء.
علي المصري، واحد من معلمي الشاورما في أحد مطاعم شارع المدينة المنورة، الذي بات مركزا للباحثين عن الطعام. علي هو المسؤول عن إعداد سندويشات وأطباق الشاورما التي تستقطب الزبائن منذ الصباح حتى ساعات متأخرة من الليل.
يقف المعلم علي ساعات طويلة أمام سيخ الشاورما، يبقي النار موقدة طوال الوقت، يصفها بأنها “قاسية، لكن لقمة العيش أقوى من التذمر والشكوى”، كما يقول “متطلبات الحياة مكلفة وصعبة، ما يجعل الشخص يرضخ لكل الصعوبات سعيا لتوفير الحياة الكريمة له ولأسرته”.
يعمل علي على تقطيع اللحم أو الدجاج لإعداد السندويشات منذ أكثر من 10 أعوام؛ حيث باتت قدرته على تحمل “النار” أكبر، خصوصا أن معظم المطاعم باتت تضع أجهزة التبريد فيها، ما يجعل موجات الحر ووهج النار أخف من قبل.
يتخذ علي إجراءات احترازية لتقوية جسده أمام موجات الحر الشديدة؛ إذ يشرب كميات كبيرة من الماء ويحاول تعويض السوائل التي يفقدها نتيجة التعرق الشديد، بسبب الحر في الخارج ونار الشاورما في الداخل.
مهن خطرة لا ضمان لها
مهن عديدة تندرج تحت بند “الخطرة”، كما تصنفها وزارة العمل والمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي؛ حيث تحتاج مجهودا بدنيا وقدرة تحمل كبيرين، خصوصا تلك التي يعمل أصحابها في الظروف الجوية المختلفة من الحار جدا إلى البرد القارس.
إحدى هذه المهن هي “كحّيل الحجر”؛ إذ يقول معلم الكحالة علاء محمد “إن العمل بهذه المهنة يحتاج صبرا وقوة تحمل وبنية جسدية جيدة، فالوقوف لساعات طويلة على الجسر المعلق “السقالة” لتنظيف الحجر وضربه بالصاروخ وتكحيله يحتاج جسداً قادراً على تحمل الحر والبرد والتوازن في المرتفعات”.
في موجات الحر الصيفية، يقول علاء “إن الضرر لا يقع علي وحدي؛ حيث يعمل معي أربعة عمال، يعني أرواحهم وحمايتهم من مسؤوليتي، وغالبا بنطلع نشتغل الصبح بكير لحد الظهر، وبنرجع بعد العصر لغاية المغرب، عشان نبعد عن الشوب والشمس”.
ويضيف “أن الاتفاق على تسليم المشروع في موعد محدد، قد يجعله يضع بشكيرا منقوعا بالماء البارد على رقبته ورأسه، تخفيفا للحر الشديد، مع شرب الماء بكثرة تعويضا عن السوائل الفاقدة وترطيبا لجسده”، مؤكدا أنه كثيرا ما يصاب بضربات الشمس، ويحتاج للجلوس أياما عدة في بيته كي يرتاح، ويعيد القوة لجسده ويكمل عمله.
هذه المهنة، وفقا لعلاء، لا تأمين صحيا لها؛ إذ لا يندرج تحت أي مؤسسة ليخضع لتأمين صحي حكومي ولا يستطيع أن يؤمن على ذاته نفسه أو من يعمل تحت يده، لأن هذه الأعمال والورش لا تأتي بشكل دوري ودائم، فهي مواسم ورزق مقسم من الله؛ إذ يمكن أن يعمل بعض المواسم بشكل جيد وبعض المواسم قد لا يكفي العمل لسد حاجات الحياة الأساسية.
ويندرج هذا النوع من الأعمال في إطار العمل غير المنظم، حيث لا تتوفر حماية اجتماعية.
عمل ملاصق للنار


في مهنة أخرى، يعمل هيثم فريد خبّازا في محل صناعة المعجنات والخبز البلدي، منذ 9 أعوام. يقول “إن حرارة الفرن ترفع الضغط عندي مع ارتفاع درجات حرارة الجو”، إلا أن الميزة، على حد تعبيره، تكمن في أنه قادر على التحكم بدرجات حرارة الفرن والذي يعمل على الفحم، فيمكن أن يقلصها أو يزيدها، ما يجعل الأمر أخف بعض الشيء.
لكن هيثم يعاني من جفاف في العيون جراء الوقوف الملاصق أمام الحرارة، ما يجعله لا يخطو أي خطوة في حياته إلا باستخدام قطرة العين، والتي تخفف احمرارهما فقط.
ويضيف، أنه رغم شربه الكثير للماء، إلا أن الحرارة سببت له جفاف عينيه، مؤكدا أن العمل في المهن الحرة معظمها لا يخضع لتأمين صحي، ما يجعله يلجأ إلى العلاجات البسيطة والبحث عن أدوية بديلة عن المنتج الأجنبي ليكون سعره مناسبا، خصوصا أن هذه العلاجات يأخذها مدى الحياة.
عمال بلا ضمان
بحسب أرقام مؤسسة الضمان الاجتماعي، بلغ عدد مشتركي الضمان الاجتماعي الفعّالين “المُؤمن عليهم” مليوناً و(239) ألفا، يمثلون حوالي 73 بالمائة، من المشتغلين، في حين أن 12 بالمائة من عدم المشمولين ما يزالون تحت مظلة التقاعد المدني والعسكري، أما نسبة الـ14 بالمائة ممن ينطبق عليهم قانون الضمان فهم غير ممثلين ومتهربون من تطبيق الضمان الاجتماعي. إضافة إلى وجود نسبة من المشتغلين يعملون في قطاعات غير منظمة لا يمكن إحصاء عددهم لعدم معرفة جهة عملهم بشكل دقيق، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن العاملين غير المغطيين بأي من أشكال الضمان الاجتماعي تقارب 50 % من القوى العاملة، اذا ما أخذ بعين الاعتبار أن مجموع القوى العاملة في الأردن مليونان وستمائة ألف عامل، حسب تقديرات وزارة العمل.
أضرار جسدية مصاحبة
لموجات الحر
معلم القصارة، أبو طارق، يؤكد أن موجات الحر التي تجتاح المملكة في الصيف تؤثر كثيرا على عمله، فرغم أهميتها لأجل إنهاء عمله، إلا أن ضررها على جسده كبير؛ إذ تؤثر على انخفاض ضغط دمه بشكل ملحوظ، ما يجعله يهتم كثيراً بتناول وجبة الفطور مع زملائه في العمل ويسعى لشرب اللبن المملح والبندورة وشرب الماء بكثرة، حتى يتوازن ضغطه نوعا ما.
يتشارك أبو طارق مع علاء محمد، بتحديد ساعات العمل خلال النهار، بهدف تخفيف ضرر أشعة الشمس عليه وعلى العمال خلال أوقات ذروة الحر.
الضمان الاجتماعي حق
يتحدث أمين عام وزارة العمل السابق والمستشار القانوني، حمادة أبو نجمة، عن أهمية الاشتراك في مظلة الضمان الاجتماعي، “حتى إن لم يكن للجميع تأمين صحي، فالضمان أقوى، لأجل إصابات العمل والتعويضات التي تنتج في حالة الحاجة إليها، كانت هنالك حاجة، وطبعا هذا لا يعني أن التأمين الصحي غير مهم”.
إن تعرض العامل لضربة شمس، يعطيه الحق باللجوء إلى القانون وإدراجها تحت بند إصابات العمل، ويؤكد أنه على الرغم من عدم وجود نصوص صريحة في قانون العمل حول شروط وأوقات العمل في مواقع العمل الخارجية في الظروف الجوية الاستثنائية كالحر الشديد أو البرد الشديد، كما هو حال الدول الأخرى، إلا أن قانون العمل أوجب على صاحب العمل، توفير الاحتياطات والتدابير اللازمة لحماية العمال من أخطار العمل، ومن تلك الأخطار، أجواء العمل شديدة الحرارة أو البرودة، ويتحمل بذلك المسؤولية عن التقصير في توفيرها وعن الأضرار التي قد تصيب العمال نتيجة هذا التقصير.
وعليه، وفقا لأبو نجمة، يترتب على صاحب العمل في القطاعات والمهن التي تتطلب العمل الخارجي كالإنشاءات والزراعة والنظافة وبعض أعمال الخدمات، أن يراعي في أيام الحر الشديد، تعريف العامل بتأثير الحرارة على جسمه وتوفير الوسائل المطلوب استخدامها للحماية منها، بالإضافة إلى تقييم مخاطر الحرارة الشديدة على الصحة وتغيير أوقات العمل اليومية في حال بلغت درجات الحرارة معدلات تشكل خطرا على سلامة وصحة العمال.
انتهاكات عمالية
المخاطر التي يتعرض لها العاملون بسبب ارتفاع درجات الحرارة، هي أحد أشكال الانتهاكات العديدة التي يتعرضون لها، يقول أحمد عوض، مدير المرصد العمالي الأردني.
ويعود توسع التعرض لهذه المخاطر إلى ضعف التشريعات ذات العلاقة من جانب، وضعف تطبيق ما هو موجود منها من جانب آخر.
ويؤكد عوض، أن قانون الضمان الاجتماعي يلزم جميع العاملين بأجر سواء كانوا يعملون عند آخرين أو مع أنفسهم من مهنيين أو مقاولين صغار بالاشتراك في الضمان الاجتماعي، وتقع مسؤولية إشراك العاملين عند الآخرين، وهم الأغلبية، على عاتق أصحاب الأعمال، إلا أنه وللأسف فإن التهرب التأميني في العديد من القطاعات مرتفع جدا، مما يحرم العاملين من العديد من الحقوق الأساسية ومنها الاستفادة من إصابات العمل.
ويطالب عوض بضرورة التشديد على أصحاب الأعمال بضرورة توفير شروط عمل ملائمة لا تعرض العاملين للمخاطر، الى جانب تكثيف جهود الجهات الرسمية على تطبيق السياسات ذات العلاقة.
عمل تحت أشعة الشمس الحارقة
شادي حسن، يعمل في أحد الهناغر الصناعية، وتحديدا في صيانة أفران كبيرة تحت درجات حرارة عالية؛ حيث تقع هذه الهناجر في المناطق الغورية والشفا غورية (شديدة الحرارة)، وتكون درجات الحرارة لا تطاق شتاء، أما في فصل الصيف فيصبح وكأنه يعمل تحت درجة الغليان.
ويؤكد أن لديه ضمانا اجتماعيا وتأمينا صحيا، إلا أن تلك الأعمال صعبة وظروفها لا تطاق، ما يتسبب بتراجع وضعه الصحي، خصوصاً تدهور النظر من شدة الجفاف والشعور بالتعب والإعياء دائما، في صعوبة الحياة الصعبة وانحسار فرص العمل.
وحول ما يتعرض له العمال من أضرار تحت أشعة الشمس بسبب درجات الحرارة، يؤكد اختصاصي الطب العام، د.سليمان النسور، أن التعرض للحرارة يختلف عن تعرض الشخص لأشعة الشمس المباشرة، لكن الضرر يحدث في الحالتين.
ويضيف “التعرض للحرارة ولأشعة الشمس يسببان الجفاف، ما يؤثر سلبا على المزاج، ويؤثر على ضغط الإنسان إما زيادة أو انخفاضا، ولا يعني الجفاف الشعور بالعطش فقط، وإنما يعني أن السائل في الجسد كله ينقص كالدماغ والكبد وغيره من أعضاء الجسم، ويمكن أن يصيب الناس بالإغماء والتعب والإعياء”.
أمراض خطيرة ومضار عديدة
أما من يتعرض كثيرا لأشعة الشمس الحارقة ويكون عمله مباشرة تحتها، فعليه أن يخاف من أشعتها الضارة والمسببة لسرطانات الجلد، ويحذر من تأثيرها على العيون وضربات الشمس.
وينصح النسور بالإكثار من شرب الماء، والابتعاد قدر المستطاع عن تلك العوامل، لكن من يعمل تحت تلك الظروف، عليه أن يحافظ على توازن الجسد وأملاحه التي تهدر من شدة التعرق جراء التعرض للحرارة، من خلال شرب اللبن الرايب ولا ضير من تمليحه وخصوصا لمن ينخفض ضغطه ليحافظ على السوائل، فميزة الملح بحبس السوائل هنا ضرورية.
على الشخص الذي يتعرض للحرارة وأشعة الشمس أن يأكل الموز وبكثرة، لأنه يحتوي على البوتاسيوم والذي يمنع الإرهاق ويقوي الجسم ويعدل المزاج المتعكر في تلك الأجواء.
هذه الأعمال، ورغم ما تسببه من أضرار، فإن الناس يقبلون العمل بها مع احتمال قساوتها ومضارها، نتيجة البحث عن “لقمة العيش”، وفقا للخبير الاقتصادي الاجتماعي حسام عايش، الذي يضيف “مما لا شك فيه أن معظم العمالة في الأردن من العمالة الوافدة التي باتت مقسومة إلى قسمين، مصرية ومؤخرا سورية، وفي ظل صعوبة ظروف العمل يكون عليهم تحمل الصعاب من باب تحمل المسؤولية والبحث عن الرزق”.
ويرى أن الكثير من العمال والموظفين ولأجل لقمة العيش وتوفير احتياجات الحياة الكريمة لأنفسهم ولعائلاتهم يتنازلون عن حقوقهم، فالمهم إيجاد فرصة العمل والتمسك بها، مهما كان ضررها على الجسم أو النفس.
ويستغرب من أن صعوبة العيش والتكاليف العالية جعلت من العامل وكأنه ممتن أنه وجد شخصا يوفر له تلك الفرصة، ولأنه ممتن يتنازل عن كل حق على حساب كل شيء وأولها الصحة.
ويرى عايش أنه آن الأوان ليكون للعمال ساعات محددة للعمل وأيام محددة للعطل، وكذلك ساعات استراحة متفق عليها، “فبعض أرباب العمل يستغلون موظفيهم، وليس عندهم رحمة”، مؤكدا أهمية توفير وسائل لإراحة العمال في مختلف المجالات حتى تتحقق أفضل معدلات الإنتاجية لديهم.
إدارة الإعلام والتثقيف الوقائي في المديرية العامة للدفاع المدني، توضح لـ”الغد”، أن من الأهمية اتباع إجراءات للحد من تأثيرات الموجة الحارة التي تؤثر على المملكة خلال الأيام المقبلة، واتباع الإجراءات التي تحد من أضرار هذه الموجة كعدم التعرض المباشر لأشعة الشمس تفاديا لخطر الإصابة بضربات الشمس والإجهاد الحراري.
شرب المياه وعدم الاعتماد على الإحساس بالظمأ من أجل الشرب، وفق الدفاع المدني، قد يخففان من مخاطر التعرض لأشعة الشمس المستمرة، وارتداء الملابس الخفيفة والفضفاضة، وأغطية الرأس الواقية والقبعات وأخذ قسط من الراحة، خصوصا للعاملين في القطاعات الإنشائية أو الزراعية ومربي المواشي والذين تقتضي طبيعة عملهم البقاء تحت أشعة الشمس المباشرة لفترات طويلة.

نشرت بالتعاون مع جريدة الغد،
*بدعم من منظمة  “صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR”


أضف تعليق

 

*