أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

عندما تصبح “وصاية الأب” انتهاكا لمصلحة الطفل الفضلى

السبت 5 آب 2017

ميدان – رامي زلوم

فقدت الشابة فادية 30 عاما سمعها وهي من فئة الإعاقة العقلية، جراء ضياع فرصة إجراء عملية جراحية كانت ستكون لها بمثابة المنقذ للاستعادة سمعها وذلك قبل عشرة سنوات، لكنها خسرت بالمحصلة فرصة إجراء العملية والسمع معاً.

 

تلك العملية وصفها الأطباء آنذاك بالطارئة لاستئصال ورم في الدماغ مما ادى الى فقدانها سمعها بعد ذلك ولتسجيل تلك الحادثة أثرا ليس فقط على فادية وإنما على كامل أسرتها.

 

والدة فادية تروي فصولا من معاناة ألمت بإبنتها جراء تلك الإعاقة وهي السبب وراء تخلي والدها عنها وطلاقه من والدتها. “رفضت أحد المستشفيات الحكومية من إجراء عملية جراحية ضرورية لفادية بسبب عدم تواجد الأب ورفضه الحضور لتوقيع الإجراءات العملية، و لا يسمح لأحد آخر التوقيع كونه الوصي الوحيد، حتى لو كانت الأم بنفسها، ما أدى إلى استئصال بعض أعضاء جسدها بسبب تفاقم الحالة الصحية لهاوفقدانها السمع”، تقول الوالدة المكلومة.

 

أنظمة ضابطة

ربما الأنظمة المطبقة في المستشفيات الحكومية ضابطة في جانب لكنها لا تنسجم واحتياجات الحالات الخاصة في جانب آخر، فالمانع الذي حال دون إجراءها العملية هو رفض والدها الحضور و التوقيع على اجراء عملية جراحية لها في احد المستشفيات الحكومية التي تشترط الأنظمة فيها بضرورة موافقة “ولي الأمر الشرعي” لاستكمال متطلبات الإجراء الجراحي.

 

والدة فادية المطلقة عانت مع ابنتها بسبب إهمال ابيها لها وما ترتب على الأمر من انتهاك طال ابنته جراء عدم تحمل المسؤولية التي أفضت بالمحصلة إلى فقدان ابنته سمعها بالكام واستئصال جزء من اذنيها.

 

العلاج الطبي المستمر لهؤلاء لأطفال ذوي الإعاقة يتطلب دخول المستشفى وإخضاعهم إلى برامج تأهيل وتعليم الأمر الذي يتطلب توقيع الوصي “وهو الأب” وفقا لقانون الأحوال الشخصية والشريعة.

 

تتساءل والدة فادية عن الحل إذا ما كان لا يعترف بهم، واضطرار الأم للجوء إلى المحاكم.

 

انتهاك لمصلحة الطفل الفضلى

والانتهاك الذي واجهته فادية كان أحد أشكاله “عدم موائمة القوانين الموجودة مع  بنود اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بما يتعلق بمصلحة الطفل الفضلى”، تقول مديرة مركز العدل للمساعدة القانونية هديل عبد العزيز.

 

الوصاية وخسارة الحقوق

ولم تفتصر العقبات في المؤسسات الصحية على والدة فادية، إنما السيدة ام ياسر فقد توقف ابناءها الاربعة عن التعليم  لسنتين بسبب شرط وجود الوصي في اجراءات التسجيل  للمدارس الحكومية الذي بدوره امتنع عن الحضور نكاية بطليقته كما نقول ام ياسر ,وتضيف:”تضرر الاولاد ما بعد الطلاق بسبب رفض الاب من اداء مهامه كولي ,كنوع من عقاب لي شخصيا مما ادى الى تاخيرهم سنتين عن التعليم بالاضافة الى الموقف التي اتعرض لها داهل المستشفيات و غرف الطوارى”.

 

وتطالب أم ياسر وجود اجراءات سرعة لتحويل الوصاية للام لما تواجه من مشقة داخل المحاكم :”تزداد المعناة لدى الام داخل المحاكم عند تقدم لتحويل الوصاية اذ ان القانون لايدعم الام فقد استرقت اكثر من سنة لصدور القرار بتحويل الوصاية لي وذلك بعد مشوار طويل بين تقديم الدلائل و الاثبتات مع العلم ان الامور قد تكون واضحة لا تحتاج الى هذا التعقيد”.

 

موائمة الاتفاقيات الدولية

عضو ائتلاف المجتمع المدني العامل على رصد تطبيق اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الأردن أنس الشتيوي، يوضح أن أحد أشكال الانتهاكات المتوقعة هو عدم وجود “التزامات داخلية بعد توقيع الاتفاقية الدولية الخاصة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة”.

 

ورصد فريق عمل الائتلاف مجموعة من الانتهاكات في قوانين الأحوال الشخصية والعقوبات فيما يتعلق بالأشخاص ذوي الإعاقة، “فالمادة (467) من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 تنص على أنه “يعاقب بغرامة حتى خمسة دنانير…كل من أفلت حيوانا مؤذيا أو أطلق مجنونا كان في حراسته”.

 

فضلا عن اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ترجع عبد العزيز الانتهاك إلى عدم الوفاء باتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو).

 

تؤكد عبد العزيز على ضرورة اللجوء للقضاء واللمطابة بتحويل الوصاية للام في حال تخلي الولي عن واجبه اتجاه ابنائه مهما كان الطريق شائكا داخل المحاكم  او اخذ وقت طويل ,ان هناك مؤسسات قانونية من الممكن أن تقدم الدعم و المساعدة والاستشارة القانونة للأم  لتسهيل الوصول إلى هذا الحق”.

 

قد يكون مفهوم الوصاية المشتركة “حل وسطي”قد تضمن حياة  امنة للطفال،.وبرأي عبد العزيز فهو  “لا يتعارض مع الشريعة و لكن نحن بحاجة الى توظيفه بشكل ييتناسب مع المنظومة التشريعية, وما نحتاج اليه هو جهد منظم لموائمة التشريعات الاردنية مع الاتفاقيات الملزمين بتطبيقها” .

 

قصور قانوني

وبما يخص الاشخاص ذوي الاعاقة العقلية و النفسية يوضح الناشط الحقوقي المختص بالقانون الجنائي الدكتور مهند العزة ان القانون ينظر اليهم كاشخاص غير مؤهلين قانونيا و يتعامل معهم بشكل قطعي وموحد دون النظر على الدرجات المتفاوتة للاعاقة وعدم استخدام الادوات والسبل الخاصة التي تسمح لهذا الشخص من ممارسة اهليته القانونية وهذا يخضعهم تحت الولاية و الصاية كالصغير و القاصر .

 

ويضيف العزة :”القانون بشكل عام ان كان مستند الى فقه مدني قانوني او فقه ذو مرجعية دينية ينظر الى الاشخاص ذوي الاعاقة الذهنية او النفسية على انهم  “محجورين بذاتهم”  اي اشخاص ناقصي الاهلية وهذا وجد نصا في القانون المدني وفي قانون الاحوال الشخصية وهنا تمكن المشكلة اذ ان القانون يتعامل مع هذه الشريحتين بشكل قطعي وموحد دون النظر على الدرجات المتفاوتة للاعاقة و عدم استخدام الادوات والسبل الخاصة التي تسمح لهذا الشخص من ممارسة اهليته القانونية “.

 

بحسب المادة 212 والمادة 213 من قانون الاحوال المدنية فان الوصاية و الولاية تجب على من يصفه القانون بالمجنون او المعتوه بسبب عدد اهيليتهم المباشرة بحقوقه المدنية بحسب المادة 204 في القانون ذاته ,حبث تعتبر هذه الاوصاف “غير دقيقة وغيرصالحة “بحسب العزة.

 

تكمن الاسباب بحسب العزة وجود فجوة في القانون تتمثل بعدم الزام الولي بواجبه اتجاه ابنائه, اضافة الى عدم وجود برامج رعاية بديلة تحتضن الابناء ضمن بيئة امنة لهم عند تعرضهم لاي شكل من اشكال العنف ,واحدى الاسباب يعود لعدم وجود وعي قانوني وفهم لبنود القانون ترجم بمجموعة من الانتهاكات وخصوصا في قرار الاجراءات الطبية داخل المستشفيات و التي ادت الى وفاة احد الاطفال”.

 

نظرة شرعية

من الناحية الشرعية، يوضح مدير ادارة المساجد في وزارة الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية الدكتور حمزة ابداح أن الولاية و الوصاية هي مفردات شرعية دل عليها القران الكريم و السنة النبوية و هي جاءت لتنظيم و ادارةشؤون الصغار و الانسان الذي لا يستطيع تدبر امره, وقد سلمت هي الولاية للاب كونه الاولى بان يكون الحصن و الدرع الواقي لابناءه ,وهنا يوجب الدين على الاب يوصل حقوقهم بما يقضي مصلحتهم في المال و الصحة و الرعاية “.

 

يقر ابداح من تقصير بعض الأباء تجاه أبنائهم، ويقول “وردتنا حالات مشابه لتلك ورغم قلتها إلا أننا نلوم الأب على ذلك، حيث تقتصر الانتهاكات الولي وتقصيره على الصحة و المال بل وصلت في بعض الاحيان ان يقف الاب زواج احد بناته كنوع من الانتقام منها و من والدتها كونه الولي في الزواج وهذا مرفوض شرعا لا يدل الا على قلة الدين عند هذه الاطراف”.

 

الحل في تبسيط الإجراءات

يرى ابداح ان الحل يكمن بتبسيط الاجراءات و عدم تعقيدها وذلك لضمان مصلحة الابناء و تجنب ضررهم، ويضيف أنه لابد من تبسيط الإجراءات “ولحلحتها” وخصوصا في الحالات الطارئة.

 

ويتابع إبداح أنه لا بد من “تبيلغ و تعليم الاب باي اجراء سيتم تجاه اولاده باي وسيلة كانت, بدلا من الانتظار لحضوره و توقيعه وهذا سيضمن مصلحة الطفل و تجنب ضرره باي شكل من الاشكال”.

 

صلاحيات القضاة

وبحسب مدير المحاكم الشرعية الشيخ عصام عربيات فيُسمح للقاضي بان يعين الام كوصي مؤقت في حال تم اثبات عدم تواجد الاب او امتناعته من اداء واجبه مع وجود حالة طارئة.

 

ويضيف الشيخ عربيات أن “لقد تم معالجة هذا الامر قانونيا اذ يتم تحول الوصاية للام بعد تقديم طلب منها للمحكمة مع الاثباتات على تقصير الاب في اداء واجبه او سفره وان يكون هناك حالة طارئة مثل العلاج او السفر فتعتبر الام وصي مؤقت الا حين تفيذ والانتهاء الامر الواجب تفيذه اتجاه الطفل “.

 

فيما تشير المادة 227 (أ و ب) من قانون الاحوال المدنية رقم36 ل2010  على أنه “اذا عرف الولي بسوء التصرف فللمحكمة ان تقيد ولايته او تسلبه هذه الولاية”. وتسندها المادة 228 انه على المحكمة من تلقاء نفسها او بناءا على طلب ,سلب ولاية الولي او تقيدها اذا توافرت مسوغات ذلك واسبابه.

 

المسؤولية واجب الوالدين

يجب عدم التفريق بين دور كل من الاب و الام فكلاهما له دور و وواجبات  في الانفاق و رعاية اولادهم و في وان تقصير في احد الاحالات  يحاسب امام القضاء ,هذا وسيتم اشراك النيابة العامة الشرعية في حل هذا الموضوع اذ سيتدخل النائب العام الشرعي ومحاسبة الولي دون طلب وبمجرد وصول شكوى بتقصيره اتجاه ولده “.

 

إعلاء مصلحة الطفل

جمعية ميزان لحقوق الإنسان كانت قد دعت إلى إعلاء مصلحة الطفل الفضلى عند وقوع الأزواج في نزاع مع القانون، “غالبا ما تتعارض مصلحة البالغين في الأسرة مع مصلحة الطفل الفضلى، وبسبب ضعف الطفل، يتم تغليب مصلحة البالغين، والأخطر من ذلك أنه يتم استخدام الأطفال كأدوات للنزاع بين الأزواج المنفصلين”، وفق دليل إرشادي أصدرته حول مصلحة الطفل الفضلى عام 2013.

 

كان الأردن قد تحفظ على المادة (16/1) الفقرات ج و د من اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) والتي تنص “ح) نفس الحقوق والمسؤوليات بوصفهما أبوين، في الأمور المتعلقة بأطفالهما، . د) نفس الحقوق والمسؤوليات فيما يتعلق بالولاية والقوامة والوصاية على الأطفال وتبنيهم”،

 

تسعى الفقرة 1 من المادة 3 اتفاقية حقوق الطفل إلى كفالة ضمان الحق في جميع القرارات والإجراءات المتعلقة بالطفل. ويعني ذلك وجوب إيلاء الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى في كل إجراء يتعلق بالطفل أو بالأطفال. ولا يشمل تعبير “الإجراء” القرارات فحسب بل أيضاً الأفعال والتصرفات والاقتراحات والخدمات والإجراءات وما إلى ذلك من التدابير.

 

سبق وان نشر في صحيفة العرب اليوم المتوقفة عن الصدور

* هذه التقرير بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR   


أضف تعليق

 

*