أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

قرى المفرق: في الخامسة تتوقف الحياة

الخميس 27 نيسان 2017 رحمة حسين (نُشر في جريدة الغد بتاريخ 9 نيسان/ أبريل 2017)

أن تنجز مهام عملك اليومية عبر التنقل العام في مدينة المفرق، الساعة الخامسة عصرا، ذلك يعني أنك تعيش ضمن إحدى القرى الأكثر حظا عن غيرها؛ فخطوط النقل العام تتوقف عن العمل عند الواحدة والنصف ظهرا!.
على أبناء القرى المتاخمة لمدينة المفرق، الخالدية ورحاب مثلا، أن ينهوا أعمالهم ويجهّزوا أنفسهم للوصول لمجمّع الحافلات بالمفرق قبل الساعة الخامسة عصرا، ليتّمكنوا من إستخدام وسيلة نقل عامة آمنة ، والتي تكلفهم 47 قرشا للخالدية و33 قرشا لرحاب، بينما إن كانوا من سكّان إحدى المناطق الأبعد كالجهة الشرقية للمفرق، فعليهم أن يصلوا لمجمّع الحافلات الشرقي، قبل الثالثة عصراً لأخذ وسيلة النقل ذاتها، ما يعني أنهم قد يفقِدون فرص عمل أو تعليم خارج المحافظة، وأحيانا داخلها لعدم وجود وسيلة نقل دائمة.
محافظة المفرق تعد الأكثر تأثرا من تراجع خدمة النقل العام مقارنة مع المحافظات الأخرى، فوصولك إلى مجمّعي النقل العام فيها (الشرقي والغربي) قد يستغرق منك وقتا يزيد عن الساعة للمناطق التي تحتاج لوقت لا يزيد عن النصف ساعة من القرى الداخلية القريبة.
تتوقف حافلات النقل المتوسطة عن العمل في أوقات مبكرة، ما يعني فسح المجال لسيارات خاصة لأخذ دور النقل العام، لتغطية غيابه، وهو مخالفة للمادة 24 الفقرة (ج) من قانون السير 2008.
يضطر العديد من المواطنين لدفع ضعف الأجرة التي يدفعونها نهارا “نصف دينار”، حتى يتمكنون من العودة لمنازلهم ليلا، والتي قد تصل أحيانا إلى دينار، ذلك لغياب تغطية العديد من القرى التابعة للمفرق بخدمة النقل العام.

متأثرون من غياب النقل:
كانت أمل طحيمر تنطلق يوميا من قريتها “دحل” التابعة لبلدية ارحاب، التي تبعد عن المفرق نحو 30 كم، قاصدة عملها بدائرة الإحصاءات العامة في إربد. في طريق طويلة تزيد على الساعة بحافلة نقل متوسطة مليئة بالركاب.
بدأت أمل عملها العام 2014 لكنها سرعان ما استقالت منه بعد أسبوعين، “سبب الاستقالة هو المواصلات” كما تقول لتخسر فرصة عمل لانها لا تستطع الالتزام بالوصول بالوقت المناسب لمكانها.
فيما شقيقتها، براءة، وهي طالبة في جامعة اليرموك؛ تواجه صعوبة في الوصول إلى جامعتها، فعند ذهابها صباحا تضطر للخروج الباكر جدا من القرية، وتنتظر بالشارع قدوم أي سيارة خاصة ذاهبة إلى جرش. قريتها تقع بين الزرقاء وجرش، ومن ثم تتجه من جرش إلى إربد عبر الحافلة، ومن ليس لديه سيارة خاصة مثلها يضطر للركوب بأي وسيلة متاحة للوصول معرضا حياته للخطر.
قُرى (حمامة، الصهاة، المرم وحميد، دحل والمدور) كانت تعتمد على حافلة متوسطة واحدة، وتم تحويلها لطريق جرش، ولا طريقة لوصول سكان هذه المناطق لمن لا يمتلك مركبته الخاصة إلا عبر النقل الخصوصي بالأجرة، فلا وجود لسيارات تاكسي أو سرافيس صغيرة. ثمة حافلات توقفت عن العمل منذ 4 سنوات في المفرق، تم الإتفاق مع كافة المشغلين الأفراد على خط آل البيت وإلى كافة المناطق والمحافظات حتى يكونوا ضمن مظلة إئتلاف، وهو آلية شبيهة بالشركة يسجل فيها بشكل قانوني لدعم أجور الطالب، وبالتالي أصبحت جامعة آل البيت من الجامعات المدعومة، تقول مديرة الإعلام والاتصال في هيئة تنظيم النقل البري عبلة وشاح.
“لازم ما تخافي لانه ما في الا هاي الطريقة، اذا اضطرّيتي مجبورة تروحي ولا تظلي بالشتا برا”، تقول براءة لمعدة التحقيق.
تنهي براءة محاضرتها الأخيرة عند الخامسة مساء، وتبدأ رحلة العودة من إربد إلى جرش، ثم إلى قريتها عن طريق الحافلة تقلها من جرش. “كنت أتحمل البقاء في الحافلة حيث يطوف السائق بيّ جولة كاملة، يشتري كل احتياجاته وينتهي وأنا معه لعدم وجود وسيلة نقل أخرى، وفي أوقات قد أصل المنزل الساعة السابعة مساء، مضطرة للتوقف ساعتين عند محول الكهرباء بجرش لأجد سيارة خاصة تصل بي لقريتي” ، هذا ما يحصل بسبب إنقطاع النقل الداخلي بين المفرق وقراها.


اليأس من الشكوى:
تدير وزارة النقل قطاع النقل العام، عبر مكاتبها الموزعة بالمحافظات؛ فيما لا تملك البلديات أية صلاحية بإدارته أو تنظيمه لكن الصلاحية الوحيدة التي تمتلكها، كما يقول رئيس بلدية رحاب عبدالله سلمان، هي تقديم الشكاوى للهيئة حول إشكاليات النقل العام المختلفة.
لا شكاوى تصل البلدية لتخاطب بها هيئة تنظيم قطاع النقل، لكن ما يحدث، كما يوضح سلمان أن رحاب تقع بين ثلاث مدن (المفرق، جرش والزرقاء) فالمنطقة بعيدة عن قراها وتحمل فائضا من المواصلات، والمناطق الأخرى كالقرى تعتمد المواصلات المؤدية للمدن الأخرى أو النقل الخصوصي الذي لا يعتبر إشكالية خطرة.

دفع الضريبة يقابله خدمة جيدة: 
ينفي رئيس بلدية المفرق الكبرى القول الدارج بأن من السهولة على المواطنين الاستفادة من صلة القرابة مع سائقين، “لم تعد مناطقنا وقرانا كالسابق، أبناء القرية الواحدة لم يعودوا يعرفون بعضهم بعضا، وحتى ذلك الأمر لا ينفي حق المواطن دافع الضرائب بتلقي الخدمة العامة”.
يؤثر النقل العام على كفاءة المواطنين في الإنتاج؛ فالحالات التي قابلتها معدة التقرير تدلل على مدى تأثر فرصهم في العمل والتعليم. التقرير التنموي 2016-2018 لوزارة التخطيط يربط بين قطاع النقل ومجالات التنمية في القطاعات المختلفة ما يؤثر بشكل واضح على الحق في التعليم والعمل.
في الرويشد، التي  تبعد عن قضاء المفرق 202 كم، يقطن فيها رافع (20 عاماً)، توقف عن إكمال دراسته التوجيهي بعد فصله الدراسي الأول، بسبب التكاليف المترتبة على دراسته حيث مكان سكنه يبعد عن مدرسته 179 كم، أي أنه في الحالة المثلى سيستغرق في الذهاب لمدرسته ساعتين كاملتين.
إلتحق رافع بالتعليم الصحي بمدرسة الصالحية ثم انتقل في فصله الدراسي الثاني لمدرسة في “عاقب”، تبعد عن الأولى 1كم ، وقد كان رافع على مقربةٍ من أن يكون الأول تحصيلا على أبناء البادية الشرقية كما يشهد مقربون منه، قبل أن يقرر ترك التعليم بعد بداية الفصل الدراسي الثاني، بسبب صعوبة الوصول. في البداية أخبرنا زميل دراسته أحمد دبيس عن قصته “رافع أبهرنا كلنا إنه حصل على معدّل عال، لكن لما ترك تفاجأنا ولليوم أنا والشباب بنستاء بس نجيب سيرته؛ يعني كان ممكن يتعلم وحياته تختلف”.

تعليم على محك النقل :
كان رافع يخرج يومياً من منزله قبل الفجر متجها للمدرسة، حيث تعمل بين الرويشد والمفرق 4 حافلات متوسطة، تنطلق أول حافلة قبل الفجر، “كنت اضطر لدفع المزيد من الأموال لحجز مكان في الحافلة حتى لا يتركني السائق أو يمنح مكاني لأحد، ويغادر قبل وصولي، بعد ذلك تتوقف الحافلة على الطريق قبل الوصول للمفرق لأذهب لمدرستي الواقعة على الطريق، في نهاية الدوام كنت ألجأ للركوب بإحدى الشاحنات المتجهة للرويشد بدلا من الرجوع للمفرق وإنتظار حافلة الرويشد، العملية كانت تكلفنا باستمرار”.
كثير من الطلبة غادروا مقاعد الدراسة دون عودة؛ أماني واحدة من هؤلاء، حيث تقطن في الخالدية، تبعد عن المفرق 22 كم، توقفت عن تعليمها في الثانوية العامة المسار المهني.
“كانت مدرستي النظرية في الصالحية والمدرسة العملية في المفرق، كنت أذهب لها عبر المواصلات الخصوصية لعدم توفر الحافلات وإنما كنا نضطر للذهاب أولا للمفرق، ثم الركوب في حافلات الصالحية، لذا كنت أضطر لأدفع مزيدا من المال للنقل العام”، أماني قررت مغادرة مقاعد الدراسة في يوم تأخرت فيه عن تقديم إمتحاناتها النهائية، حيث كانت مضطرة لشرح معاناة وصولها المتأخر للمعلمات. “قررت بعد ثالث امتحان إخبار أهلي بأني لم أعد أحتمل الوضع، توقفت عن التعليم ووجدت الآن عملا كان من حظي أنه في الخالدية وقريب من منزلي”.

انقطاع الحياة بعد الرابعة عصرا:
يسخر أحد سائقي الحافلات الداخلية في حديثه مع معدة التقرير من انقطاع الحياة بعد الساعة الرابعة عصرا بتوقف خدمة النقل العام، “عمي.. هان الساعة أربعة يحطوا راسهم ويناموا”. يزيد سائق آخر “المفرق هي منطقة صحراوية وسوقنا سوق نهاري، وطلاب الجامعات لا ينبغي عليهم البقاء بجامعاتهم للساعة الرابعة تحديدا، إن كانوا سكان المناطق الشرقية حتى إن وجدوا حافلة نقل عام تأخذهم لمناطقهم، فلا يوجد حافلات تأتي بهم للمفرق من البادية بعد الواحدة ظهرا”.
يعتمد قضاء المفرق على 16 سيارة سرفيس، وهذا الأمر كان دافعاً للشابة حياة دبيس (22 عاما) للاقامة في إربد عند أقاربها طوال وقت الدراسة، مغادرة قريتها الخالدية “عدم الأمن الذي تتعرض له في الوصول يجعلك تبحث عن فرصة للمغادرة”.

لا نقل بعد الخامسة مساء:
يقر رئيس بلدية المفرق الكبرى أحمد المشاقبة بصعوبة إيجاد وسائل مواصلات عامة بعد الساعة الخامسة عصرا، لذا يلجأ مواطنون للنقل الخصوصي. “لا بد من تأمين المواطن بالنقل العام من خلال إلزام الشركات الخاصة والأفراد المشغّلين بالحركة على مدار الساعة”. هناك مسؤوليات على هيئة تنظيم النقل والوزارة، كما يقول رئيس البلدية، “مهما خسرت الدولة من القطاع  فلن تخسر بقدر خسائرها من البطالة والأميّة”، ويفسر أنه ومنذ فترة طويلة والأمور المتعلقة بالنقل العام الداخلي في المفرق كانت مُعوّمة؛ حيث تحتال مكاتب (التاكسي والمتوسط) على النقل، وتعمل كما تريد دون رقابة هيئة تنظيم النقل، ودون دراسة أماكن عملها واحتياجات المنطقة وقد لا تعمل على تغطية الخط.
تتعامل هيئة النقل مع المناطق وفق عدد سكانها ومساحتها؛ فما تزال الهيئة تتعامل مع الأسطول السابق الذي كان متواجدا وقت مؤسسة النقل العام، ولا يوجد أي استثمار جديد في محافظة المفرق، والتي تعاني من أزمة الاستثمار حيث عدد السكان قليل نسبة للمساحة الكبيرة، ما يؤثر على الجدوى الاقتصادية للاستثمار.
لكن الإشكاليات التي تواجهها المناطق، تم تبيانها في المخطط  الشمولي للنقل العام في المملكة، حيث يتم فيها بيان إشكاليات النقل بكل محافظة على حدة من حيث ربط الخدمة الموجودة حاليا بعدد السكان مع المساحة الجغرافية، “نتائج المخطط تؤكد على أن المحافظات بحاجة لرفع مستوى الخدمة بشكل أكبر”، وفق الناطقة باسم الهيئة عبلة وشاح، وتشير إلى بدء العمل في نتائج المخطط الشمولي ومشروع النقل الحضري بالمحافظات وستستفيد المفرق منه مستقبلاً.
تتم عملية الرقابة والتنظيم عبر مكتب الهيئة الموجود في المفرق، حيث يوضح مدير المكتب علي الشمري أن آلية مراقبة المشغلين تتم من خلال الشكاوى والزيارات الميدانية، وكذلك الأمر في حالة التنظيم ومعرفة مدى كفاية المنطقة من المواصلات العامة.
يعتقد الشمري بأن ما يقارب 90 % من مناطق المفرق مأهولة بالنقل العام، وراى أنه بحال انقطاع القرى من وسائل النقل العام أو توقف العمر التشغيلي للحافلات يتم إيجاد حلول بديلة كإعطاء التصاريح المؤقتة أو السماح لحافلات المناطق المجاورة بتغطيتها؛ لكن هذه الحلول قد تكون “متواضعة”، والهيئة تبرر الأمر بأن الحالة الواقعية لقطاع النقل العام بالمفرق تعاني ضعف المردود الاقتصادي؛ حيث لا يمكن بالأدوات الحالية للمشغلين الاستثمار بهذه المناطق، جراء عدم وجود ما يدعم القطاع وخسارتهم الاقتصادية المترتبة على ذلك.


غياب العدالة بين المحافظات:
يقول الخبير الاقتصادي مازن إرشيد أنه “لابد من ربط  الضرائب التي يدفعها المواطنون بتطوير البنى التحتية ووسائل النقل. لكن ما يحدث فعليا ان أموال الضرائب التي يدفعها أهل المفرق تذهب للحكومة المركزية، وهي توزع ميزانيات على البلديات. والمفترض أن كل بلدية تحصل على إيراداتها مثل ضريبة المسقفات وضريبة المبيعات من تجار المدينة كالمفرق والرسوم والغرامات المتأتية ضمن حدود البلدية أو المحافظة”.
لا عدالة من قبل الدولة في توزيع المخصصات، لأن دافع الضرائب لابد أن يلمس بالمقابل حفاظا وحماية لحقوقه وتغييرا في قريته ومحافظته لا أن تذهب فقط للعاصمة، كما يقول إرشيد. تقترح مسودة قانون تنظيم نقل الركاب 2015، تأسيس صندوق للنقل العام، يسمح بتغيير الوضع القائم من خلال دعم الخسارات الناتجة عن إتباع جداول محددة للباصات مثلا. “ما ينعكس بطريقة إيجابية على مستخدمي النقل العام لأنهم لن يكونوا ضحايا للأيديولوجية الربحية التي أصبحت عائقا على قطاع يجب أن يكون خدميا”، يقول مسؤول البحث والتنسيق بمركز الدراسات البيئية علي العطاري.
تعطي المسودة صلاحيات هيئة تنظيم النقل البري للمحافظات والبلديات. يقول العطاري “هذا التغيير قد يكون إيجابيا لأنه يسمح لهذه الجهات بمراقبة مستوى النقل داخل المناطق المعنية، بدلا من مراقبتها وتنظيمها من خلال الهيئة على مستوى المملكة بكاملها، وكما نتصور فإن هذا يصبح معقدا عندما يعملون على نطاق واسع”. عبلة وشاح تعلق “هذه المسودة مطلوبة للمرحلة القادمة، لأنها تعالج الاختلالات التي كان يعاني منها القطاع على مدى سنوات عديدة، بالأخص فيما يتعلق باستمرارية الملكية الفردية ومشاكل الاستثمار وضعفه في حال إقراره، سيسهم في رفع مستوى الخدمة”، تركز وشاح على ضرورة إعطاء ضابطة عدلية لموظفي الهيئة.


نُشر التقرير بدعم من منظمة “صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR”.



أضف تعليق

 

*