أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

قصة اللجوء.. معاناة لم تنته فصولها

الأحد 12 اذار 2017 "هبة الحياه" عبيدات

توقفت عن الكتابة فترة لا بأس بها، فلم تعد لدي قدرة على استكمال ما بدأته بمتابعة ملف قد يكن الأصعب في مهنتي الصحفية، ملف شائك بل قد يتعداه إلى أن يكون ملفا تشوبه كافة الإشكاليات المتعلقة بأخلاقيات كتابة ما هو متعلق بملف اللجوءالسوري  في ظل عدم تداول المعلومات بشفافية في الأردن، عدا عن استشعار هذا الواقع الأليم.

تبدأ المشكلة الأولى بصعوبة الحصول على المعلومات أو قد تتجاوز انعدامها من المؤسسات الرسمية وبعض المنظمات الدولية بما يتعلق بملف اللجوء، فالجهات الرسمية تنظر لهذا الملف على أنه ملف أمني بامتياز، وبالتالي تحاول قدر الإمكان الاقتضاب في التصريح مراعاة لصورة الأردن أمام المجتمع الدولي بغية التمويل، والآخر تخوفاتها وحساباتها بما يتعلق “بتنظيم داعش” وارتباطه بملف اللجوء كما تراه.

أما المنظمات الدولية فهي تحاول قدر الإمكان الابتعاد عن الاصطدام مع الجهات الرسمية أو قد تتعداه إلى الإيمان بتراجع دورها على أرض الواقع بشكل أو بآخر؛ لذلك أصبح بعضها يحذو طريق الحكومة بالاقتضاب في التصريح أو منع المعلومات عن الصحفيين.

في غياب تداول المعلومات بكل شفافية تغيب نصف المعلومة من وجهة نظر الجانب الرسمي الذي قد يرى أن تغييبه للمعلومات أفضل من طرحها بشفافية، وهو ما يسيء لصورة تحمل الأردن تبعات اللجوء السوري لوحده.

المشكلة الثانية؛ عندما تشعر أنك أصبحت جزءا من اللجوء بكافة تداعاياته وألمه، فكيف لك أن تحيد نفسك عن هذا الشعور وأنت تتواصل باستمرار معهم للحصول على المعلومات وتوثيقها، وكيف لك أن تحيد شعورك وأنت تسمع في أصواتهم أنينا يستنجدك للمساعدة ونشر معاناتهم أملاً في حياة كريمة يسعون لها بكل قوة وصبر.

قد تكون مشكلة اللجوء السوري داخل الأردن تحمل معاناة كبيرة تبرز في كافة قطاعات الحياة، إلا أن من يقطن مخيمات الحدود الشمالية الشرقية بين الجانبين الأردني والسوري يعلم أن المعاناة تتجاوز قطاع العمل أو حتى التعليم أو قطاعات أخرى، لتبرز في أهم حقوق الإنسان “الحق في الحياة”.

أحد ممرضي مخيم الحدلات الذي استطعت التواصل معه؛ لم ينقطع إصراره لمعرفة فيما إذا كان هنالك أمل يلوح في الأفق في حال نشر مادة حول مخيم الحدلات، حاول بكل ما يسعى إلى أن يؤكد لي أهمية إيصال القصة لعل هنالك من يسمع ويرى معاناة اللجوء في هذه المخيمات.

وحتى أكون واضحة تلاشت آمال بعض اللاجئين القاطنين في هذه المخيمات في دخول الأردن، ليأملوا فقط بإدخال المساعدات والخدمات الطبية التي تمكنهم من العيش في هذه التجمعات.

أتذكر تماماً أحد الفيديوهات التي وصلتني من الممرض لطفل لم يتجاوز عمره 3 أعوام، عيناه لم تغمضا بعد، وشعر رأسه ما زال ينبت، حنطي اللون، ونحيل جداً، بنطال من الصوف لونه أصفر، وبلوزة مرقعه، تبدأ محاولة انعاش أنفاسه يدويا دون جدوى على حمالة في خيمة يطلق عليها مستوصف داخل مخيم الحدلات، لا يستجيب لأي محاولة فلا ردات فعل تبدو لي، جسمه نحيل وجاف، يختتم الممرض قوله، مات.

نعم مات جوعا أو من قلة الغذاء، لا يهم مسماه، الأهم أنه فقد حياته لسوء تغذية وجفاف، ليس الوحيد، نتحدث عن عشرات الأطفال فقدوا حياتهم سوءا للتغذية والخدمات الطبية في مخيمي الحدلات والركبان.

هي صورة ما زالت عالقه في ذهني، صورة ستبقى خالدة ومؤلمة، صورة تزيد من شعورنا بفقدان الإنسانية ، فمن يتحمل المسؤولية! من!

في متابعة ملف اللجوء تصل إلى قناعة تامة، أنك مهما حاولت كتابة معاناة اللجوء لن تستطيع أن تصف جزءاً بسيطا من هذه المعاناة التي تبعد عنها مسافات طويلة بعد إغلاق الحدود عسكريا ومنع دخول المنظمات أو حتى اللاجئين؛ فكيف تصف معاناة حقيقية لم تستطع أن تراها بأعينك وأمامك.

فالكتابة هنا تقتصر فقط عما يرسل من فيديوهات تحاول تلخيص جزء من هذه المعاناة بأصوات لاجئين لا تسمع بها سوى معاناة بكافة الجوانب تستنجد أملاً مهما كان مفقودا في عالم تحكمه سياسات الدول فقط.

قصص عديدة ولكل قصة رواية لوحدها ومعاناة تكفي لشعورك بالألم الذي قد يصحبك لمحاولة معايشة ما لم تستطع أن تمنحه القدر الكافي بسطره في عمل صحفي تسعى من خلاله إيصال صوت من بعيد، يستنجد أي أمل قد يبدو لنا أنه ترويج أو دعاية، فهل نصدق أن هنالك من يسعى إلى “الحق في الحياة” فقط! وهل نصدق أن هنالك من يموت جوعاً وبرداً! وهل نصدق أن أطفالاً فقدوا طفولتهم في أجواء وواقع لم يكونوا سببه أو مسببه.

أعتقد أن بعضنا يعلم ويدرك جزءاً من هذا الواقع؛ لكننا نحاول أن نتناساه لنحافظ على حياة وواقع مثالي نسعى لمعايشته بعيداً عن أي منغصات حتى لو كانت معاناة آخرين يقطنون على الحدود ويستنجدون المساعدة.

نعم قد كتبت مادة صحفية؛ لكن لم تنته القصة ولم ينته شعوري الذي أصبح أسيراً لمعاناة لم أعايشها سوى عبر الهاتف وشبكات التواصل الاجتماعي فكيف لي أن أتخيل معايشتها واقعاً ملموساً.

هل نتخيل سوياًهذا الواقع الأليم سعياً لمحاولة تغييره حتى بأقل ما نملكه ونستطيع!


التعليقات

  1. Refugees’ camps, where suffering is yet to end. – JHR
    الأحد 12 اذار 2017

    […] Read the Arabic version here […]


أضف تعليق

 

*