أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

مصانع الألبسة في عجلون: عاملات أردنيات في ظروف عمل صعبة

الثلاثاء 20 أكتوبر 2020

تقرير: شفاء القضاة وأنسام بني إسماعيل. تصوير وإنفوغرافيك: أحمد حمدان

على مدار سنتين ونصف من العمل في مصنع عنجرة للألبسة في محافظة عجلون، لم تحظ الأربعينية فاطمة* سوى بيوم إجازة واحد، تجنباً لخصم أي مبالغ من راتبها.

“ما بعطل، لإني بحاجة كل قرش”، تقول فاطمة التي تعمل في المصنع منذ حوالي ثلاث سنوات لمساعدة زوجها في إعالة أسرتها المكونة من سبعة أفراد.

المصنع الذي تعمل فيه فاطمة، واحد من ثلاثة مصانع أنشئت في محافظة عجلون ضمن ما يسمّى بمبادرة “الفروع الإنتاجيّة” للشركات في المناطق ذات معدلات الفقر والبطالة المرتفعة. وتشغّل المصانع الثلاثة 1155 عاملًا وعاملة، يتوزعون كالآتي: 204 عاملاً وعاملة في مصنع كفرنجة التابع لشركة التكنولوجيا المتقدمة لصناعة الألبسة الجاهزة وشركة أخرى مملوكة لها اسمها المفهوم لصناعة الملابس. و358 عاملًا وعاملة في مصنع عنجرة، و593 في مصنع الجنيد، اللذين يتبعان لشركة الأزياء التقليدية لصناعة الألبسة، بحسب أرقام صادرة عن وزارة العمل في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي.

رصدت معدّتا التقرير ظروف عمل صعبةٍ تشتكي منها عاملات في هذه المصانع الثلاث، عبر توثيق تجارب 17 حالة كالتالي: 5 عاملات في مصنع كفرنجة، و6في مصنع عنجرة، و6 في مصنع الجنيد. وتتراوح الانتهاكات المرصودة بين الحرمان من الإجازات المرضية أو السنوية، والإجبار على العمل الإضافي، بالإضافة إلى مصاعب العمل التي تهدد سلامتهن، وتخلف لهن أحيانًا مشاكل صحية.

ما هي مبادرة الفروع الإنتاجية؟

مبادرة الفروع الإنتاجية هي أحد برامج التشغيل المدعومة من الحكومة “لتوفير فرص تدريب وتشغيل للأردنيين المتعطلين عن العمل” من خلال إنشاء مصانع في مناطق جيوب الفقر في الأردن، وقد بدأ العمل بها في مارس/ آذار 2008 بهدف “نقل الاستثمارات من المناطق التنموية إلى مناطق جيوب الفقر والتركيز على دخول المرأة إلى سوق العمل من خلال توفير فرص تشغيل للمتعطلات عن العمل من الإناث في المناطق ذات المعدلات المرتفعة للفقر والبطالة”، بحسب ردّ الوزارة على طلبٍ للمعلومات تقدّمت به معدّتا التقرير.

تُنفّذ وزارة العمل المبادرة بدعم من الديوان الملكي الذي يقدم “الدعم المالي والتسهيلات اللازمة لإنجاح هذه المبادرة”، بالإضافة إلى تمويل المبادرة من قبل وزارة التخطيط والتعاون الدولي وهيئة تنمية وتطوير المهارات المهنية والتقنية.

ويُقدَّم للمستثمرين في هذه المبادرة حوافز من خلال وزارة التخطيط أو هيئة تنمية المهارات عبر المساهمة في تمويل كلفة بناء المصنع بمبلغ يتراوح بين 225-250 دينارًا للمتر الواحد، ومنح المبنى للمستثمر مجانًا لمدة ثلاث سنوات، فضلًا عن توفير البنى التحتية من مياه وكهرباء وطرقٍ إن لزم الأمر. وتُبنى الفروع الإنتاجية على أراضٍ تابعة لخزينة الدولة أو مملوكة للبلديات، كما يمكن للمستثمر استئجار أو بناء مبنى على حسابه، بحسب نجاح البريقي، مديرة وحدة المشاريع والفروع الإنتاجية في وزارة العمل.

ومن جهة أخرى، يتلقى المستثمر دعمًا عن المشتغلين في مصنعه عبر المساهمة لمدة عام واحدٍ بدفع 50% من الحد الأدنى لأجور العمال، و25 دينارًا بدل اشتراك الضمان الاجتماعي و25 أخرى بدل مواصلات للعامل، بحسب وزارة العمل.

كما تُمنح المشاريع (المصانع) التي تقام ضمن الفروع الإنتاجية مزايا ضريبية بحسب قرارٍ صادر عن مجلس الوزراء في أبريل/ نيسان 2016، منها: اعتماد ضريبة الدخل لأنشطتها الصناعية بنسبة 5% أو أقل، وإعفاء المواد والمعدات والآلات والتجهيزات وقطع الغيار ومدخلات الإنتاج ومستلزماتها ومواد البناء المستوردة الداخلة في بناء وإنشاء وتجهيز وتأثيث هذه المشاريع من الرسوم الجمركية والضرائب1، وتخفيض الضريبة العامة للمبيعات على هذه المواد -سواء كانت مستوردة أو مشتراةً من السوق المحلي- إلى نسبة صفر بالمئة2.

حتى نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي، كان يعمل في مصانع الفروع الإنتاجية في الأردن حوالي سبعة آلاف عاملة وعامل، وبلغ إجمالي قيمة التمويل الممنوح والمقدّر للفروع الإنتاجية حوالي 69 مليون دينار، توزعت على 60 فرعًا، كان يعمل من بينها 28 فرعًا، بينما كانت بقية الفروع تحت الإنشاء، أو يجري البحث عن مستثمرين لها، أو قيد الإجراء؛ أي يتم التفاوض مع مستثمرين من أجل إقامتها.
رمان من الإجازات السنوية

تتقاضى فاطمة 220 دينارًا شهريًا، بالإضافة إلى 17 دينارًا بدل مواصلات، وبالكاد يكفيها هذا المبلغ هي وأسرتها كما تقول، إذ تحتاج إلى 20 دينارا للمواصلات خلال الشهر، وتوفّي التزاماتها وقروضها وما يستحق عليها للجمعيات التي تشترك فيها، ليتبقى لها 13 دينارًا فقط، ولا تتمكن من طلب إجازات لتجنب حسمها من راتبها، علمًا أن الأصل أن يحصل العامل على إجازة سنوية، وإن رغب في تأجيلها للسنة اللاحقة يتم ذلك بالاتفاق مع صاحب العمل، بحسب رئيس مؤسسة بيت العمال حمادة أبو نجمة.

وتشجيعًا للعمال والعاملات في مصانع الألبسة تلك على عدم التغيب، تصرف لهم “حوافز عدم غياب”، وفقًا لرئيس نقابة عمال الغزل والنسيج والألبسة فتح الله العمراني، الذي يعتبر هذا الحافز مهمًا، مشيرًا إلى أن الشركات تمنح هذا الحافز للعاملين فيها بالاتفاق مع النقابة.

في المقابل، يؤكد أبو نجمة أن حوافز بدل الإجازات، أو عدم الغياب، مخالفة للقانون، إذ يجب منح العاملين إجازاتهم، وتنص المادة الرابعة من قانون العمل أنه “يعتبر باطل أي تنازل من العامل عن أي حق من حقوقه التي وردت في القانون”، أما الحوافز فالأصل أن تعطى للأفضل في الإنتاجية أو الالتزام، وفقًا لتوضيحه.

وتجد عاملات صعوبة في الحصول على إجازات مرضية، هذا ما واجهته العشرينية هبة* التي تعمل خيّاطة في مصنع عنجرة للألبسة، حين استمر شعورها بآلام حادة لمدة ثلاثة أيام خلال تواجدها في عملها، وفي كل مرة يمنحها طبيب المصنع علاجًا للالتهابات دون جدوى، حتى تمكنت من زيارة مسشفى في يوم عطلتها الوحيد، لتكتشف انفجار الزائدة الدودية لديها بسبب التهاب حاد، وحاجتها لعملية جراحية عاجلة لإزالتها، وحصلت على إجازة لمدة شهر لتتعافى، وبعد عودتها إلى العمل، تجد صعوبة بالغة في طلب أي إجازة حتى للمراجعات الطبية، “بعد عطلة العمليّة صرت كل ما بدي أعطل يحكولي ما أنتِ عطلتي”، تقول هبة، مشيرة إلى أن أي خلل أو عطل في آلات المصنع تتحمل العاملات مسؤوليته ويحسم أحيانًا من إجازاتهن السنوية.

تعمل هبة في المصنع ذاته منذ 3 سنواتٍ تقريبًا، وتؤكد أن محاولاتها المتكررة للحصول على إذنٍ للمغادرة صعب جدًا، إذ تطالبها إدارة المصنع بإنجاز 250 قطعة في الساعة قبل الانصراف، وعدم حدوث ذلك يعرضها للتوبيخ، ما يضطر بعض الخياطات إلى البقاء في المصنع بعد انتهاء الدوام، حتى إنجاز عدد القطع المطلوبة منهن.
التشدد في الإجازات المرضية

في أحد أيام العمل، شعرت وفاء* التي تعمل في مصنع الجنيد بمغص وتعب شديدين حتى فقدت وعيها، ولم يمنحها طبيب المصنع إجازة مرضية إلا بعد التأكد من عدم قدرتها على العمل، فصرفها إلى المنزل ومنحها إجازة لليوم التالي.

تقول وفاء إن إدارة المصنع لا تعترف إلا بالإجازة الطبية الموقعة من طبيب المصنع. لذلك تشدد ليندا الكلش، المديرة التنفيذيّة لمركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، على ضرورة أن يتعامل طبيب المصنع بشكل مهني، دون النظر للعمليّة الإنتاجيّة.

من جانبه، يوضح مدير المصنع يوسف القدومي، أن التشدد بمنح الإجازات المرضية نابع من عدم وجود مصداقية في أعذار العاملات، قائلاً إن حوالي 100 عاملةٍ يغبنَ يوميًا دون معرفة السبب، “لما بتيجي بدِّك إجازة بكون حاطط أنا 90% إنتِ مش صادقة معي، بحكم التجارب والأشياء اللي صارت”، يقول القدومي.

في مصنع كفرنجة، تعمل العشرينية أحلام* خيّاطة من أجل إعالة شقيقها ووالدتها بعد وفاةِ والدها، هذه الحال دفعتها للقبول براتب 218 دينارًا فقط، ونالت زيادة قدرها 30 دينارًا وزعت على آخر عامين، “بتعب أكيد، بس شو بدي أعمل ماهو باب رزق إلي، ما في شغل بيجي بدون تعب بالمرة”، تقول أحلام.

ساعات العمل الطويلة يفصلها استراحة لمدة نصف ساعة، لكن دون وجبات طعام، فتلجأ غالبية العاملات إلى طلب الطعام على حسابهن أيضًا، لذلك تنقسم رواتبهن بين المواصلات، والمصاريف العائليّة، ووجبات الطعام، بحسب أحلام.

وتتطلب بعض مراحل العمل إنتاج 400 قطعةٍ في الساعة، في حين تتراوح أُخرى بين 100–200، كما توضح أحلام، مشيرة إلى أن طلبات المغادرات والإجازات غالباً تقابل بالرفض بحجة ضغط العمل، و تستذكر ما حدث معها حين طلبت المغادرة قبل أسبوع من موعدها لدى الطبيبة؛ لضمان الحصول على الموافقة، لكن إدارة المصنع أبلغتها قبل موعدها بساعتين برفض مغادرتها بسبب ضغط العمل، فاضطرت للانتظار أسبوعًا آخر حتى تتمكن من أخذ الإذن والذهاب إلى الطبيبة.

وبحسب عقد العمل الجماعي (الاتفاقية القطاعية) المبرم في تشرين الثاني 2019، بين النقابة العامة للعاملين في صناعة الغزل والنسيج والألبسة من جهة، والنقابة العامة لأصحاب مصانع المحيكات والجمعية الأردنية لمصدّري الألبسة من جهة أخرى، فإن صاحب العمل ملزم بتوفير عيادة صحية في موقع العمل تكون مجهزة بالكادر الطبي، “وفي الحالات الطارئة يتوجب على الكادر الطبي تحويل العامل إلى طبيب مختص أو إلى المستشفى على وجه السرعة ودون أي تأخير ليحصل العامل على الرعاية الصحية المطلوبة والعلاجات المناسبة على نفقة صاحب العمل”، بحسب المادة 11 من العقد الجماعي.

يؤكد العمراني، رئيس نقابة العاملين في الغزل والنسيج والألبسة، أن الأطباء العاملين في الفروع الإنتاجية يتبعون للشركات التي تدير المصانع، وأن الشركات ملزمة بالمتابعة مع الطبيب. علمًا بأن العقد الجماعي يضع على عاتق كل من النقابة وصاحب العمل وممثلي أصحاب العمل مسؤولية مشتركة لإدارة وتنفيذ العقد وضمان الامتثال لأحكامه.

تنفي مديرة الموارد البشرية في مصنع كفرنجة، ماليكان الخطاطبة، أن يطلب المصنع زيادة في عدد القطع المنتجة يوميًا، بينما يمكن للعاملة التي أنجزت العدد المطلوب منها أن تنتقل بين غرف المصنع لمساعدة عاملات أخريات.

وتبيّن الخطاطبة نظام التعامل مع الإجازات المرضية في المصنع، قائلة إن الإجازة المرضيّة إذا تجاوزت 48 ساعة، يجب أن تكون موقعةً من طبيبٍ أخصائي، كما أن المصنع يعتمد الإجازة الموقعة من المستشفيات التابعة لوزارة الصحة والمختومة من الطبيب نفسه والمستشفى والمحاسبة، إضافةً للوصل الماليّ، لتُعرض بعدها على طبيب المصنع ويتخذ قراره بشأنها.

وتُرجع ذلك إلى أنه في كثير من الأحيان يطلب العمال إجازة مرضية دون وجود ما يستدعي ذلك، أما الإجازات السنوية فيعتمد قبولها أو رفضها على ظروف العمل، منوهة إلى عدم حرمان العاملات من إجازاتهن، وعدم إجبارهنَّ على أخذها، مع إمكانية استبدال أيام الإجازات إذا وصلت إلى 14 يومًا بمقابل مالي.

بينما يقول قاضي برويز، مدير الموارد البشرية في شركة التكنولوجيا المتقدمة المستثمرة في مصنع كفرنجة، إن الإجازات السنوية المعتمدة لديهم تتوافق مع قانون العمل، “ولا يمكن استبدالها بالحوافز” بحسب ردّه -عبر البريد الإلكتروني- على سؤال حول منح بعض العاملات حوافز مالية مقابل التنازل عن الإجازات السنوية.

تقول الخطاطبة إن المصنع بدأ عمله عام 2014، بـ47 آلة خياطة، ليصل عددها إلى 133 عام 2019، ولا تباع الملابس التي ينتجونها في السوق المحلية، وإنما تُصدَّر لكلٍ من الولايات المتحدة الأميركيّة وكندا.
مشاكل صحية

“كان إبني لما يشوفني هلكانة يقولي ماما إنسي بدكيش هالشغل بس من وين بدنا نجيب؟، ولما يشوف الوضع برجع بسكت”، هكذا تصف فاطمة الإجهاد الذي تكون فيه عقب انتهاء عملها اليومي في المصنع، ما يدفعها للنوم مجرد وصولها إلى المنزل.

يمتد العمل اليومي في المصنع من الساعة الثامنة صباحًا وحتى الرابعة مساءً، وتعاني العاملات وفق ما رصدته معدّتا التقرير، من الوقوف 8 ساعاتٍ متواصلة لغير الخياطات، أو الجلوس 8 ساعاتٍ متواصلة للخياطات، لإنتاج 200-250 قطعة في الساعة، ما يسبب لهن آلامًا في المفاصل والظهر، بالإضافة للدوالي في أقدامهن، وهو مرضٌ يصيب عروق القدم؛ نتيجة الوقوف أو المشي لساعاتٍ طويلة.

وهو ما تعاني منه العشرينية ميساء* التي كانت تعمل مشرفةَ جودةٍ في مصنع الجنيد التابع لشركة الأزياء التقليدية، إذ اقتضت طبيعة عملها تفقد الملابس بعد خياطتها، والإشراف على سير العمل لأكثر من 14 ماكينة، وتفقّد كُلٍ منها 4مراتٍ في اليوم، وإعداد تقارير مفصَّلةٍ تُسلّمها قبل الساعة 3:30، ما تطلب منها الوقوف لـ8 ساعاتٍ يوميًا، واصفة ذلك بقولها: “أنا بنت عمري 27 سنة في برجليّ دوالي، ظهري أحيانًا بوجعني، ما بقدر أداوم بدون مشد ظهر”.

وقد تضطر العاملة لتغطية أكثر من موقعٍ في العمل، كما توضح فاطمة، أي التنقل بين كل مراحل الإنتاج، ويتم الاستعانة بها إذا ما وُجدَ تقصيرٌ أو غيابٌ لإحدى العاملات، ونظرًا لسرعتها في الإنتاج فقد كُلِّفت بالعمل على خطين من أجل إنهاء 200 قطعةٍ من كُلِ خطٍ في الساعة.

أما مديرة مصنع عنجرة رانيا أبو زيتون، فترى من جهتها أنَّ عدد القطع مناسبٌ للعمليّة الانتاجيّة، كون القطعة الواحدة تمر على 88 عاملاً، موزعين على 4 خطوطٍ للإنتاج وعددٍ من المراحل.

ورغم الجلوس أو الوقوف الطويلين، تشير الخطاطبة إلى تناقص إصابات العمل في مصنع كفرنجة، خصوصا تلك المتعلقة بوخز الإبر للعاملات، وجروح المقص، والخدوش من محركات آلات الخياطة.
لكن أبو نجمة يشدد على وجوب مراعاة شروط السلامة العامة والصحة المهنية في كل مؤسسة، معتبرًا أن الجلوس لمدة طويلة يتسبب بآلام وأمراض، ومن الضروري أن تقيّم لجنة السلامة المهنيّة التابعة لوزارة العمل مخاطر العمل، وتعدّ تقارير شهرية بها، وإن كان هناك أي أخطار أو أضرار على العمال، يفترض باللجنة توجيه صاحب العمل للوسائل الصحيحة لتجنب الإضرار بعامليه.

وتوافقه في ذلك الكلَش، مديرة مركز تمكين، مشيرة إلى أن العاملين من حقهم أخذ استراحة تتراوح بين 5-10 دقائق تفصل ساعات العمل لتغيير الوضعية، إلى جانب ضرورة تغيير الكراسي في حال كانت غير مناسبة.

من جانبها، تقول نجاح أبو طافش، مديرة مديرية السلامة والصحة المهنية في وزارة العمل، في ردٍّ مكتوب، إن القانون لم يحدد مدة أو أعداد الاستراحات للعمال -إلا في حالة تشغيل الأحداث-، وتشير إلى نص المادة 55 من قانون العمل الذي يلزم كل صاحب عمل يستخدم عشرة عمال فأكثر بوضع نظام داخلي لتنظيم العمل في مؤسسته يبين فيه أوقات الدوام وفترات الراحة اليومية والأسبوعية، ويخضع هذا النظام لتصديق الوزير أو من ينيبه.

وحول شروط السلامة التي يجب توافرها للعاملات في مصانع الألبسة، تقول أبو طافش إن قانون العمل حدّد واجبات صاحب العمل فيما يتعلق باشتراطات السلامة والصحة المهنية، إذ يتوجب عليه توفير الاحتياطات والتدابير اللازمة لحماية العمال من الأخطار والأمراض التي قد تنجم عن العمل، بحسب المادة 78 من القانون.

وتضيف أبو طافش أن القانون ألزم صاحب العمل بتعيين مشرف سلامة وصحة مهنية يختص بالتفتيش الدوري على جميع أماكن العمل، وذلك بموجب نظام تشكيل لجان ومشرفي السلامة والصحة والمهنية، “وعليه فإن من واجبات صاحب العمل ومن خلال مشرف السلامة والصحة والمهنية القيام بإجراء تقييم لمخاطر بيئة العمل واتخاذ الإجراءات والتدابير المناسبة لحماية العاملين لديهم”، بحسب أبو طافش.

تتفق المحامية هالة عاهد مع أبو طافش في إلزامية صاحب العمل بضمان سلامة بيئة العمل وحماية العاملين من المخاطر بموجب القوانين والأنظمة، لكنها ترى أن هذه الإلزامية لا تعفي الوزارة من مسؤولياتها في مراقبة تطبيق أحكام القوانين والتزام صاحب العمل بها، وذلك من خلال مفتشي العمل حيث يهدف التفتيش إلى التحقق من تطبيق الأحكام القانونية المتعلقة بظروف العمل وحماية العمال أثناء قيامهم بعملهم، والاهتمام بتأمين شروط السلامة والصحة والمهنية.

يُذكر أن قطاع الألبسة والمنسوجات ليس مدرجًا بشكل صريح ضمن تعليمات القطاعات الخاضعة لأحكام نظام تشكيل لجان ومشرفي السلامة والصحة المهنية، وترى عاهد أن هذا لا يعني استثناء العاملين في القطاع من هذه التعليمات، بل تشملهم من ناحية حمايتهم من مخاطر الحريق والضوضاء والحرارة، وتوفير الاستراحات والتهوية المناسبة والإضاءة الكافية ومعدات الوقاية الشخصية. “كما أن مسؤولية صاحب العمل لا تقتصر على تطبيق هذه الأحكام إذ هو ملزم بموجب المادة 78 من قانون العمل كتوفير الاحتياطات والتدابير اللازمة لحماية العمال من المخاطر والأمراض التي تنجم عن العمل”، تقول عاهد.

إضافي بالإجبار

تشكو رغد* التي تعمل في مصنع الجنيد، من إجبار العاملات على العمل الإضافي، بحجة مرور المصنع بأزمة، ما يدفعه لإغلاق أبوابه وتمديد الدوام حتى الساعة السادسة والنصف مساءً.

“احنا لما وقعنا العقد فيه الأوفرتايم (العمل الإضافي) اختياري، بكون حاطلك بتوافقي ع الأوفرتايم؟ الأغلب حاط لا”. تقول رغد.

في هذا المصنع 55 آلة خياطة، و6 خطوط إنتاج، ويصل إنتاجه اليومي إلى 20 ألف قطعة يوميًّا، بحسب مدير المصنع يوسف القدومي.

أبو نجمة يؤكد أن الأصل بالعمل الإضافي أن يكون بموافقة العامل ولا يجوز إجباره، ولا يتم تكليفه بذلك إلا برغبة منه، فالإجبار يتضمن حالاتٍ خاصة مثل تلف البضاعة، لكن عمل الملابس لا يوجد فيه تلف بالبضاعة فهو ليس كالمنتجات الغذائية، لذلك أي تكليف دون رغبة العامل هو مخالف للقانون و يجب ألا يتم، على حدّ قوله.

وتنص المادة 59 من قانون العمل على أنه يجوز تشغيل العامل بموافقته أكثر من ساعات العمل اليومية أو الأسبوعية على أن يتقاضى العامل عن ساعة العمل الاضافية أجرًا لا يقل عن 125% من أجره المعتاد.
ظروف عمل غير ملائمة

تشتكي عاملاتٌ من تعرضهن في هذه المصانع لسوء معاملة من الإشراف أو الإدارة، كالتوبيخ أمام الزملاء أو التهديد بالفصل، وهو ما يتعارض مع المادة 29 من قانون العمل التي تمنح العامل حق ترك العمل دون إشعارٍ مع احتفاظه بحقوقه القانونية وما يترتب له من عطلٍ وضررٍ إذا اعتدى صاحب العمل أو من يمثله بالتحقير على العامل أثناء العمل أو بسببه. وتخالف هذه الممارسة أيضًا اتفاقية القضاء على العنف والتحرش في عالم العمل الصادرة عن منظمة العمل الدولية عام 2019.

كما يتعارض هذا السلوك مع عقد العمل الجماعي بين النقابة العامة للعاملين في الغزل وممثلي أصحاب العمل، الذين يلزم أصحاب العمل بـ”تعزيز بيئة عمل خالية من العنف”، ويشمل ذلك العنف المعنوي والإساءة اللفظية وتهديد العمل لأي سبب كان.

ويؤكد أبو نجمة أنه لا يجوز لصاحب العمل أو من يمثله من الإداريين القيام بممارساتٍ مهينة لكرامة العامل، وهناك إجراءات تنظيمية تستخدم معه دون المساس بشخصه أو إهانته إن أخطأ، ومجرد الإساءة له وإهانته تعد انتهاكا صارخا.

كما تشتكي عاملات من عدم توفير التدفئة شتاءً في مصنع كفرنجة، وتشتكي بعضهن من خصم مبالغ من رواتبهن في حال التأخر من دقيقتين إلى 10 دقائق رغم سوء المواصلات، ويتفق أبو نجمة والكلش بأن من حق صاحب العمل اتخاذ الإجراءات والعقوبات داخل إطار ما يسمى بتنظيم العمل الداخليّ غير أن تأخير 2 – 10 دقائق لا يوجب المبالغة بالعقوبة.

ورغم وجود 20 أمٍّ عاملة على الأقل في كل مصنع، إلا أنها تفتقر للحضانات، بحسب أحلام التي تطالب بتوفيرها لأطفال العاملات وفقًا للقانون، وتوافقها في ذلك الكلش، معتبرة وجود حضانة ضمن مبنى العمل أو قريبة منه أمرا هاما لتسهيل وصول العاملات إليها.

وجاء ردّ مدير الموارد البشرية في شركة التكنولوجيا المتقدمة، قاضي برويز، على ما رصده التقرير -عبر رسالة إلكترونية- قال فيها إن مصنعهم في عجلون “معتمدٌ وفق شروط وقواعد منظمة العمل الدولية”، ويخضع لتدقيق منتظم من وزارة العمل وبرنامج “عمل أفضل” (التابع لمنظمة العمل الدولية)، وأنهم يتبعون جميع الإرشادات الموضوعة، معتبرًا أن ما رصده هذا التقرير “يتعارض مع الأمور على أرض الواقع”.

حاولت معدّتا التقرير، على مدار شهرين تقريبًا، الحصول على ردّ من إدارة شركة الأزياء التقليدية لصناعة الألبسة التي تستثمر في مصنعي الجنيد وعنجرة، حول ما تم رصده في المصنعين، لكنها رفضت الردّ.

فيما ردّت مديرية التفتيش في وزارة العمل على الانتهاكات التي يوثقها التقرير، بالطَّلب من مُعِدتيْ التقرير توجيه العمال لتقديم شكوى رسميّة لدى الوزارة أو منصة حماية، “لإعطائها الأولويّة ومتابعتها بشكلٍ رسميّ وسريع وسرِّي”. مؤكدة أن مراقبة ظروف العمل تكون “من خلال الجولات التفتيشية المستمرة بشكل دوري على كافة المصانع سواء فروع إنتاجية أو غيرها”. ولم تجب المديرية عن الأسئلة المتعلقة بأعداد ونوع الشكاوى العمالية التي وصلتهم من العاملين في مصانع شركتي الأزياء التقليدية والتكنولوجيا المتقدمة في عجلون، بدعوى أنها “معلومات تُعنى بالمؤسسة ولا نستطيع الإفشاء عنها حفاظًا على سرية المعلومات”.
الاستثناء من رفع الأجور

لا يعتبر العمراني، رئيس نقابة عمال الغزل والنسيج والألبسة، أنَّ أجور العاملين الأردنيين في مصانع الألبسة متدنية، خاصة أن المواصلات مؤمنة لهم ، وكل من يبعد مكان سكنه مسافة كيلو عن محيط المصنع يتم تأمين مواصلاته ذهابًا وإيابًا، وفقاً لقوله. مشيراً إلى أن زيادة قدرها 5 دنانير صرفت للعاملات ممن تبلغ فترة عملهن في المصانع سنة فأكثر، بموجب اتفاقية نقابية مع أصحاب المصانع عقدت مطلع عام 2019.

وكان وزير العمل، نضال البطاينة، قد أعلن في فبراير/ شباط الماضي عن قرار رفع الحد الأدنى للأجور من 220 إلى 260 ديناراً للعمال الأردنيين، بينما استُثني قطاع الألبسة والمنسوجات، استناداً إلى ما اتفقت عليه اللجنة الثلاثية لشؤون العمل، برئاسة الوزير البطاينة، بعدم تطبيق القرار بالنسبة للعمال الأردنيين والوافدين في قطاع الألبسة “حيث يلتزم القطاع بتنفيذ اتفاقيات العمل الجماعي الخاص بالعاملين في هذا القطاع (..) ومنها الزيادة السنوية”.

يرى ليث نصراوين، أستاذ القانون الدستوري في الجامعة الأردنية، أن استثناء عمال الغزل والنسيج والألبسة من قرار رفع الحد الأدنى للأجور، ينطوي على مخالفة “صريحة وجسيمة” لمبدأ المساواة بين العاملين في القطاع الخاص، ولا يقوم على أساس قانوني ودستوري سليم، إذ يتعارض مع المادة السادسة من الدستور التي تنص على أن الأردنيين أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات.

ليست هذه المرة الأولى التي يستثنى فيها العاملون في قطاع الألبسة من تطبيق الحد الأدنى للأجور، ففي عام 2006 استثني العاملون في القطاع من قرار رفع الأجور لمدة 7 أشهر من مطلع حزيران حتى نهاية العام، كما تم استثنائهم -مع عمال المنازل- في القرار الصادر عام 2008، ومنذ ذلك العام استثني العمال غير الأردنيين من تطبيق الحد الأدنى، بينما طال القرار الأخير عمال القطاع أردنيين وغير أردنيين.

تقول المحامية عاهد إن “التحديد القطاعي للحد الأدنى للأجور قد يغدو مبررًا إذ يأخذ بعين الاعتبار القدرة الاقتصادية لكل قطاع وقدرته على الاستمرار”، ولكنها تعتبر استثناء قطاع وحيد منه، دون إجراء دراسة مستفيضة تتناسب وقاعدة الأجر المتساوي عن العمل متساوي القيمة، إخلالًا بحقوق العمال ومفهوم العمل اللائق، “خاصة أن الأجور في قطاع الغزل والنسيج متدنية، ولا تعكس قيمة العمل الفعلي في هذا القطاع” تقول عاهد، وترى في هذا الاستثناء محاباةً لأصحاب العمل، وتهربًا للدولة من مسؤولياتها في الدفاع عن حقوق العمال.

وتشير إلى أن استثناء هذا القطاع الذي تتركز فيه العمالة النسائية سيساهم في تعميق الفجوة في الأجور بين النساء والرجال، ما يخل بمبدأ المساواة المنصوص عليه في الدستور، ويتعارض مع أحكام اتفاقية المساواة في الأجور التي اعتمدتها منظمة العمل الدولية وصادق عليها الأردن.

__________________________________________________

نشر التقرير في عمان نت
هوامش:

1- ما عدا رسوم الصادرات وبدل الخدمات والأجور المستحقة.

2- يستثنى من ذلك المركبات والتبغ ومصنوعاته والمشروبات الكحولية والمسكرات والجعة.

* تم استخدام أسماءٍ مستعارة لجميع العاملات بناء على طلبهنّ وحفاظًا على خصوصيتهن.

** هذا التقرير بدعم من منظمة “صحافيون من أجل حقوق الإنسان”.


أضف تعليق

 

*