أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

“كورونا” تعصف بمشاريع نساء وجمعيات في جرش

الخميس 10 ايلول 2020

سلام أكرم
ألقت جائحة كورونا بأثرها على النساء المعتمدات على المهن الحرفية كمصدر رزق يؤمن جزءاً من الدخل الأساسي لهن ولأسرهنّ في مدينة جرش، ما أن أعلنت الحكومة الأردنية فرض حظر التجول الشامل وإغلاق العديد من المنشآت الاقتصادية في 18 مارس/آذار الماضي لمواجهة فيروس كوفيد-19، توالت الخسائر المادية للمواطنين الأردنيين، وخاصة أصحاب الأعمال التجارية أو المشاريع الخاصة التي يعيلون بها أنفسهم وأسرهم.

يسلط هذا التقرير الضوء على معاناة جمعيات المنتوجات الحرفية واليدوية، والنساء اللائي يعملن في هذا القطاع بعد تعطل أعمالهن بشكل كلي في فترة الحظر الشامل.

وحتى عودة الحياة تدريجيا في السادس من حزيران الماضي، ومنهم الأربعينية أنعام العيد، التي دأبت على صنع الصابون في غرفة صغيرة بمنزلها في قرية ساكب غرب جرش على مدى الخمس سنوات الماضية، لتأمين متطلبات الحياة لأسرتها،.

وهي بحسب قولها تسعى دائما إلى تحسين عملها من خلال الالتحاق بالدورات التي تمكنها من تطويره والتسويق له، عبر جمعية الرائدات الريفيات، وتعرض أعمالها للزبائن في منزلها وفي الجمعية.

واستفادت 100 سيدة من الخدمات والدورات التي تعقدها جمعية الرائدات الريفيات التي تأسست عام 2014 لتمكين المرأة الريفية اقتصاديا بهدف دعمها وأسرتها ذاتيا، عن طريق عقد دورات ومحاضرات متعددة في مجالات مختلفة، مثل دورات الحرف اليدوية كصناعة الصابون والتطريز وإعادة التدوير.

بالإضافة إلى محاضرات تعزيز دور المرأة الجندري واهتمامها بتمكين الشباب، ويقوم عليها 8 سيدات يعملن في مجال الحرف.

وبلغت نسبة النساء النشيطات اقتصاديا في محافظة جرش 13.1% في المقابل فإن نسبة المتعطلات عن العمل 6.8 %، وتقدر نسبة البطالة بين الإناث في المحافظة بـ34.1 %، بحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة لعام 2019.

ضائقة مالية
خلال فترة الحظر الكلي، توقف عمل العيد بشكل كامل وفق روايتها قائلة :”توقف شغلي كليًا سواء عمليات البيع، طلبات الزبائن وحتى إحضار متطلبات ومواد صناعة الصابون”، التي اعتادت أن تبتاعها من محلات عطارة بعيدة عن مكان سكنها، أغلقت هي الأخرى إبان فترة الحظر.

كما أن توقف المواصلات العامة ومنع التجوال حال دون توصيل الصابون إلى الزبائن أو قدومهم لشرائه.

يتشابه حال أنعام بنساء أخريات يعتمدن في معيشتهن على ما تصنع أيديهن، إذ يشكل ما تجنيه العيد من صناعة الصابون نصف دخل أسرتها الشهري، والذي يتراوح بين 400-450 دينارا.

مشيرة إلى أن المبلغ المالي الذي كان بحوزتها قبل الأزمة ساعدها أن تتخطى الأزمة دون ديون متراكمة، حتى تلبي احتياجات منزلها وأطفالها من مأكل ومشرب بعد أن خسر زوجها مشروعه الذي بدأ به قبل انتشار الفيروس أيضا.

أما قصة منتهى مع التطريز لا تختلف كثيرا، إذ توقف علمها بشكل كلي بسبب الجائحة، وتبين السيدة الأربعينية المقيمة في قرية ريمون غرب جرش أنها تعمل على تطريز الأثواب التقليدية منذ 25 عاماً.

كما تعمل كمدربة تطريز في جمعية سيدات جرش الخيرية، ومنذ إعلان الحظر توقف عملها على مدار ثلاثة أشهر، ما أدخلها في ضائقة مالية، إذ لم يعد لديها أي مردود مادي كون التطريز هو مصدر الدخل الوحيد لديها،.

علماً أن عملها قبل الأزمة كان مميزاً، حين كانت تخيط بين ثلاثة إلى أربعة أثواب شهرياً، وتبيعها بما يتراوح بين 1000-2000 دينار .

“الزبائن قلوا كثير حاليا إما أنهم لا زالوا متخوفين من الشراء أو أن أوضاعهم المادية لم تعد كالسابق حتى بعد انتهاء مدة فرض التجول الشامل وعودة الحياة الاقتصادية تدريجيا وعودتي لعملي كمشرفة تطريز الجمعية” تقول منتهى.

وعلى الرغم من وجود عدد من النسوة الجرشيات اللائي يعملن في التطريز والحرف، لكن تسويق أعمالهم غير معتمد على أهل المدينة، بسبب الكلفة العالية للأثواب خاصة، وغالباً ما يطلبها ذوو الدخل المرتفع في العاصمة، أما الزبائن من المدينة ذاتها قليلون جداً.

سوق الحرف اليدوية في تراجع
تتفق هبة زريقات، رئيسة جمعية سيدات جرش، مع منتهى بأن سوق الحرف اليدوية تراجع كثيرا في ظل أزمة كورونا، لافتة إلى ما عانته الجمعية وقت الحظر، إذ لم تتمكن من إيصال القطع الجاهزة لوجهتها.

مؤكدة أن عمل الجمعية قبل الأزمة كان يجري بشكل جيد، وتصل إيراداتها من الحرف اليدوية إلى 1000 دينار شهرياً.

قائلة: “كان ييجينا زبائن كثير من خلال التسويق عبر صفحة الجمعية على مواقع التواصل الاجتماعي بالإضافة لزبائنا الدائمين”.

لكن نسبة المبيعات خلال الأزمة تراجعت إلى 50%، وانقطع العمل فترة طويلة ما أثر على النساء العاملات في هذا السوق، وغالبيتهن يعتمدن على عملهن داخل الجمعية كمصدر دخل وحيد.

“أنا كنت أحاسبهم عالقطعة لكن خلال أزمة كورونا ما في شي للبيع، توضح زريقات، مشيرة إلى أنها صرفت بدل مواصلات للسيدات من حساب الجمعية.

رغم ما أضافه ذلك من عبء على الجمعية، لكنه يساعد في أن لا ينقطع مصدر رزقهنّ نهائياً، حيث تضم الجمعية التي تأسست عام 1971 بهدف تمكين المرأة والشباب والأطفال 15 سيدة، يعملن في الحرف اليدوية المتنوعة مثل التطريز، صناعة الصابون، الخياطة وصناعة الإكسسوارات.

وأثّر توقف حركة السياحة الخارجية والداخلية على سوق الحرف والمشغولات اليدوية أيضاً، إذ تعتمد الجمعية بشكل كبير في مبيعاتها على الزوار العرب والأجانب الذين يقبلون على شراء منتوجاتها من الأثواب التي تشكل للمجتمع الجرشي كماليات، حسب قولها، مرجعة ذلك إلى حالتهم المادية مقارنة بالمحافظات الكبيرة كالعاصمة عمان ومحافظة البلقاء، ومنهما نسبة الزبائن الأكبر.

“الانصراف عن الكماليات”
تتشابه الحال التي تمر بها النساء الجرشيات العاملات في سوق الحرف اليدوية خلال أزمة كورونا، رغم اختلاف المنتج واختلاف الزبائن، وفقاً لليلى الوهادنة العاملة في الديكوباج وإعادة التدوير، حيث توقف عملها بشكل كلي كمدربة في هاتين الحرفتين مع الجمعيات.

أما عملها من المنزل أصبح متذبذبا كما تقول: “البيع لم يتوقف عندي، كنت أعمل القطع حسب الطلب وأسوقها وبيعها عبر الإنترنت لكن مع ذلك كانت نسبة المبيعات قليلة جدا”.

وما زاد الطين بلة، صعوبة إيصال الطلبات للزبائن خلال فترة الحظر الشامل، وتراجع أحوال الناس الاقتصادية، مشيرة إلى أن عملها يعتبر عند الزبائن من الكماليات التي يؤجل الناس شراءها.

لم تكن تلك المعارض الإلكترونية كافية لتنشيط الطلب، وفقا للوهادنة، مضيفة أنه لا يوجد أي دعم خصص للنساء العاملات في إنتاج الحرف، لمساعدتهن من أجل الخروج من الأزمة، علما أنه يكاد لا يخلو أي بيت في جرش من النساء العاملات في الحرف اليدوية.

تشرح الوهادنة عن عملها بشغف قائلة: الديكوباج هو فن استخدام الورق القديم لعمل لوحات فنية، واشتهر هذا الفن بأنه فن الفقراء لأن الإنسان استخدمه قديما لتزيين الأثاث القديم بالمنازل.

ومن خلاله يمكن تحويل خامات بسيطة وقديمة إلى لوحات فنية جميلة، والحصول على قطعة أثاث بمظهر جديد مثل المزهريات، والصناديق، والأطباق الخزفية وغيرها.

دخل ليلى يعتمد بشكل أساسي على مهنة التدريب في الديكوباج، لأن القطع التي تنتجها خاصة وباهظة الثمن ولها زبائنها، لهذا لجأت ليلى لتسويق منتجاتها عبر الإنترنت، ” كنت احاول أوصل للأسر مفهوم إعادة التدوير وكيف سيخدم الأسرة بإعادة تدوير القطع غير الصالحة، توفير ثمن القطع الجاهزة من السوق، وهو يخدم البيئة من خلال التخفيف من التلوث البصري ورمي النفايات على الأرض”. على حدّ قولها.

جمعيات بلا دعم
“خلال أزمة كورونا توقفنا بشكل كامل عن العمل وصناعة الحرف، واكتفينا بالمعارض الإلكترونية التي أقامتها وزارة الثقافة لكنها بالنسبة لنا لم تجد نفعا”.

بهذه العبارات يلخص أحمد الصمادي، رئيس جمعية رواق جرش الثقافية، التي تعنى بالعمل في صناعة الفخار،التطريز، الكريستال، صناعة الصابون، الشمع، إعادة التدوير وصناعة الإكسسوارت، بالإضافة إلى الرسم على الزجاج، وتضم 27 سيدة يعملن في هذه الصناعات.

يشكو الصمادي أثر الأزمة الاقتصادية على الجمعية بقوله: “تدمرنا خلال الأزمة”، وعلاوة على ما لحق بالجمعيات الحرفية والعاملين فيها من أضرار.

فقد أوقفت وزارة الثقافة الدعم السنوي المخصص للهيئات الثقافية، والذي يتراوح بين 400 إلى 1000 دينار، إذ تم اقتطاعه وتحويله لصندوق همة وطن، بحسب الصمادي.

ومع توقف البيع تراكم إيجار الشقق المستأجرة من قبل الجمعية على مدى 3 شهور، ما اضطره لاحقا إلى الدفع من حسابه الشخصي.

حاليا، أصبحت الطلبات الواردة إلى الجمعية قليلة جدا لا تتجاوز طلبا أو طلبين خلال الشهر، وتقوم بها السيدات من المنازل، ما أدى إلى تراجع مبيعات الجمعية وخاصة أن زبائن سوق الحرف، لا يشترون القطعة إلا بعد معاينتها، والتأكد من جودتها، ما أضعف من فاعلية المعارض الإلكترونية.

“لا يشتري الناس سمك بالمي”، على حدّ وصفه، أما قبل الجائحة كان للجمعية نشاطاتها المختلفة والمتعددة من إقامة معارض ودورات في الحرف اليدوية في مقرّها، وأخرى مع مديريات الشباب، بالإضافة إلى مشاركتها بمهرجان جرش.

عدم استئناف أنشطة الجمعيات الثقافية لغاية اليوم وغياب السياحة الأجنبية عن السوق فاقم الضرر، حيث كانت الجمعيات تقيم معارض سنوية في مهرجان جرش، وتكسب دخلا جيدا من السائحين الأجانب، وبانقطاع السياحة المحلية والأجنبية انقطع البيع، وفقا لقول الصمادي.

ويبين أن إيرادات الجمعية من بيع الحرف في المعارض كان يصل إلى 4000 دينار سنويا، أما الآن حساب الجمعية في البنوك يساوي صفرا، إذ بقيت أنشطتها مجمدة لشمولها في الفئة التي استمر إيقاف عملها وفقاً لما أعلنته الحكومة في 4 يونيو/حزيران الماضي.

وتضم المدارس ورياض الأطفال، الجامعات والكليات والمعاهد، مراكز التدريب والمراكز الثقافيّة، صالات الأفراح وبيوت العزاء.

بالإضافة إلى الأنشطة الشبابية (مثل المخيمات الكشفية، وأي نشاط مخصص للشباب تتطلب طبيعته التجمع والتفاعل عن قرب)، دور السينما، منشآت تنظيم الحفلات والمؤتمرات والمعارض والفعاليات الثقافية والمهرجانات، الحدائق العامة ومدن الألعاب والأماكن الترفيهية.

نشرت القصة المصورة في جريدة الغد
*بدعم من منظمة صحافيون من أجل حقوق الإنسان JHR


أضف تعليق

 

*