أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

“حاولت الانتحار خلال الكورونا ” كيف فاقمت الجائحة معاناة المرضى النفسيين؟

الإثنين 10 آب 2020

هبة أبو طه* “هذه الحياة ليست وردية كما رسمتُها في خيالي، أخذتني الحياة إلى ما لا أريد، لا مكان لي هُنا، ظروفي هي من أوصلتني لهذا الحد، لكنني رغم الضعف وعدم قدرتي على اتخاذ أي قرار بحياتي، ما زال أمامي فرصة لاتخاذ قرار لأشعر بقوتي ولو لمرة واحدة، أنا من اقرر ولا أحد غيري حتى لو كان قراري الموت والخلاص من الحياة”.

هذه الأفكار التي كانت تجول بخاطر حازم-ـ اسم مستعار-ـ قبل إقدامه على محاولة الانتحار الأخيرة إذ تملكه اليأس ولم يجد مفراً سوى الموت فقد بلغ منه السخط على واقعه والتذمر من حياته مبلغا يجل عن الوصف.

خسر حازم وظيفته مؤخرا ليلتحق بصفوف ضحايا كورونا اقتصاديًا والذين خسروا وظائفهم، حيث طلب إدارة عمله منه أن يقدم إجازة سنوية، وهو ما قام به، ثم بعد ذلك قاموا باقتطاع نصف راتبه المقدر بثلاثمائة دينار.

كان رئيس الوزراء عمر الرزاز، أصدر بلاغًا بخصوص أمر الدفاع رقم (٦) بتاريخ 31 آيار، “هذا البلاغ اعتبره رب العمل مخرجًا آمنًا وملاذًا سهلاً للتخلص منّا دون أن يترتب عليه أية تعويضات وهذا ما حصل بالفعل”، يقول حازم.

أصبح حازم بلا وظيفة وبلا دخل، “وقفت عاجزا أمام والدتي التي تسألني عن دواء السكري ومسؤولياتي كزوج تجاه أبنائي وزوجتي، لم أكن أدري حينها ماذا أفعل أبيعُ نفسي أم أتسول بالشوارع أم أتخلص من حياتي وأنجو بذاتي”.

هذا الحال، دفع حازم إلى محاولة الانتحار في شهر أيار الماضي، بعد أن تملكه اليأس والسخط على واقعه، وعلى الحياة التي لم ير من ورديتها شيئا، قائلاً أن الأفكار التي أصبحت تدور في رأسي تدور حول الانتحار “ظروفي أوصلتني لهذا الحد، لكنني رغم الضعف وعدم قدرتي على اتخاذ أي قرار بحياتي التي سارت مع التيار منذ ولادتي، ما زال أمامي فرصة لاتخاذ قرار لأشعر بقوتي ولو لمرة واحدة أنا من يقرر ولا أحد غيري حتى لو كان قراري الموت والخلاص من الحياة”.

محاولات انتحار
“هذه الحياة لم تُخلق للفقراء”، يقول حازم الذي أقدم على محاولة الانتحار بتناوله أكثر من عشرين حبة دواء، لكنه فشل في محاولته. يصمت حازم، ثم يتابع ” لا أعلم يجب أن أكون حزينًا أم ممنونًا لهذا العمر الجديد الذي أفتقر فيه إلى أدنى مقومات الحياة جسدي حي لكن روحي ميتة”.

حازم ليس وحده من حاول الإنتحار، رصدت معدة التقرير خمس حالات أخرى لأردنيين حاولوا الإنتحار خلال فترة الجائحة، وعشرة آخرين تراجعت أوضاعهم الصحية والنفسية، بينما أصيب خمسة بأمراض نفسية لم يعانوا منها ما قبل أزمة الحظر الشامل.

كان الأردن قد فرض حظر تجول شامل، بموجب قانون الدفاع، لمواجهة وباء كورونا، الذي وافق عليه الملك عبدالله الثاني في السابع عشر من آذار الماضي، وأعلن وزير الدولة لشؤون الإعلام في العشرين من الشهر ذاته، أمر الدفاع رقم (2) الصادر عن رئيس الوزراء والذي قرر به حظر تنقل الأشخاص وتجوالهم في جميع مناطق الأردن.

لم تتمكن معدة التقرير من الوصول إلى أرقام محاولات الانتحار الرسمية من خلال مديرية الأمن العام ممثلة بالناطق الإعلامي باسمها عامر السرطاوي، والذي كان قد وعدنا بتزويدنا بالأرقام ولم يتجاوب بعدها.

يرجح الأخصائي النفسي باسل الحمد وجود حالات شجعها الحجر الصحي على الإقدام على الانتحار، وخاصة في ظل انقطاعهم عن العمل والمُضي بالحياة دون مصدر دخل، علاوة على الإجهاد وارتفاع مستوى الصراعات داخل المنزل الواحد، وأكثر الناس عُرضة لذلك المُصابون بالإكتئاب.

ضمير غائب
انتكاسة تلو الأخرى، لم تخرج من كابوس محاولات الانتحار، فهي لا تدري ما الذي تفعله في لحظة ضعف أو غضب، ازداد اكتئابها وتضاعف تفكيرها بالانتحار في فترة الحظر و طبيبها النفسي “ضمير غائب” على حد قولها.

“شعرتُ بالوحدة لا أستطيع الذهاب للعمل، لا أستطيع الخروج مع أصدقائي وصديقاتي، قبل الحظر كنت أعاني من الاكتئاب وازداد في ظل الحظر، كنتُ أشعر بالغيرة من حملة تصاريح المرور لأني لم أستطع استخراج تصريح” تقول هدى في وصف حالها خلال فترة الحظر.

“حتى طبيبي النفسي الذي كنت أتعالج في عيادته ظهر خلال فترة الحظر كم هو غير آبه بمرضاه، حاولت الاتصال به مرارا وتكرارا عن طريق السكرتيرة لان رقمه غير موجود لدي و كنت أطلب منها أن تُبلغه أنني بحاجة ماسة للحديث معه، وانني أفكر بالانتحار وهو يعلم أنني لدي دوافع انتحارية، لكن عبث لم يتصل بي ولم يكترث لأمري؛ واكتشفت حينها أن الطبيب تجمعه بي علاقة مصلحة فقط المال مقابل أن يسمعني يهتم للمال وليس لصحتي النفسية”.

وجدت هدى أن الحياة “لا تستحق أن نبقى بها تُعساء” وما زاد من فكرتها بخطوة الانتحار. إبان الحظر كانت تجلس في غرفتها تشعر بالانكسار والوحدة. “كتبتُ رسالة وداع وخططتُ للانتحار أمي” وتذكر أن والدتها دائما تقول لها “موتي بنرتاح منك بدل ما نضل نعالج فيكي” الأمر الذي زاد اصراري على الموت وفعلا خططتُ وحاولت الانتحار لكن نجوت وعدتُ للحياة لكن لا أريد العودة أنا لا أحب هذا الكون”.

قامت معدة التقرير باختيار عينة من الأطباء النفسيين واتصلت بهم في محاولة للتعرف على كيفية التعامل مع المرضى المراجعين، أجاب ٧٥٪ من عينة تراجع الأطباء، أنهم كانوا عاجزين عن الاتصال مع أطباءهم النفسيين لأنهم لا يملكون سوى رقم السكرتير/ة و٢٥٪ كانوا أطباءهم يتواصلون معهم ويتابعون حالتهم باستمرار.

تقول رئيسة جمعية خطوتنا، أميرة الجمل أن هذه الآلية التي يتبعها أغلب الأطباء النفسيين، فالسكرتيرة هي من تقوم بتحديد المواعيد وتتواصل مع المرضى حتى عندما يكُن المريض مضطرا تُجبه “احكيلي شو في وأنا بحكي للدكتور”، مشيرة إلى آمالهم كانت بأن لا تسري هذه الآلية خلال جائحة كورونا لكن للأسف بقيت الحال ذاته.

كشفية بحسبة العداد
“التكسي والعداد” وصف أطلقه أمين عام المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة د.مهند العزة على الأطباء النفسيين الذين يقومون باحتساب الوقت الذي يقضيه المريض معهم ويزيدون الكُلفة بناءً على الوقت.

قامت معدة التقرير بأخذ عينة لعيادات أطباء نفسيين، وقامت بالاتصال بهم، والاستفسار عن التكلفة فكانت النتيجة أن ٧٠٪ منهم يُحددون مبلغ الجلسة وفقا للوقت الذي يقضيه المريض مع الطبيب، بما معناه أنهم يحتسبون ذلك بشكل طردي كلما زاد الوقت كلما زادت الكلفة أما ٣٠٪ منهم، ينقسمون إلى قسمين الأول وفق ما تتطلبه الحالة والثاني وقت غير محدد.

الأمر الذي انتقده العزة قائلاً “هذا أمر مُعيب ومُحزن وأشبه بمسألة التكسي والعداد، فكيف يمكن التعامل بهذا الشكل، بحيث يجلس المريض عند الطبيب ويبدأ الطبيب باحتساب الوقت إذا تجاوزت النصف ساعة سوف يرتفع المبلغ”.

مؤكداً أنه يجب أن يكون الهدف من الجلسة تحقيق الغاية المنشودة وليس الربح على حساب المريض.

في ذات السياق، تُبين فدوى ما حصل معها عند مراجعتها الطبيب في فترة الحظر الجزئي، وتروي: “ذهبت لمراجعة طبيبي النفسي كما أذهب دوما تفاجأت من السكرتيرة التي أبلغتني بأنني إذا أمضيتُ أكثر من نصف ساعة مع الطبيب سأدفع بدل ٢٥ دينارا ٥٠ دينارا، ظننتها تمزح فعندما دخلتُ عند الطبيب استفسرت منه عن هذا فأجابني هذه تعليمات الصحة وتسعيرة النقابة”. وكانت آخر جلسة لها لدى ذلك الطبيب كما تقول، لشعورها بعدم الاهتمام بصحتها النفسية بقدر ما الاهتمام بكلفة المراجعة.

ويوضح المشرقي أن “الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية غالبيتهم من الطبقات المسحوقة والفقيرة، لذلك لا يستطيعون دفع كلفة العلاج ومتابعة الجلسات وللأسف الكثير منهم انتكست حالته وأصبحت من سيء إلى أسوأ”.

وفعلاً هذا ما حصل مع حمزة، الذي يعاني اكتئاباً حاداً، وحاول الانتحار عدة مرات، ويقول “أنا لا أستطيع تحمل عبء العلاج لأنني لا أملك ثمن الجلسة الأولى ولا حتى الجلسات التي تليها”.

وبالنسبة لكشفية العلاج للمرة الأولى ٦٠٪ من العينة سالفة الذكر يتقاضون مبلغ “٥٠” ديناراً للجلسة الأولى، و ٢٠٪ يتقاضون “٦٠” ديناراً، و ١٠٪ ما بين “٥٠” إلى “٧٠” ديناراً، و١٠٪ فقط يتقاضون “٣٠” ديناراً.

الحكومة لا توفر العلاج النفسي
تعزو الجمل سبب لجوء الأشخاص لعيادات الطب النفسي الخاص إلى “عدم وجود علاج نفسي وافٍ في وزارة الصحة، وعلى الوزارة أن تتنبه لهذا الأمر وأن يشمل العلاج المعالجة السلوكية وليس فقط صرف الدواء”.

ومن جانبه، شدد الحمد على عدم قيام الحكومة بتوفير العلاج النفسي الشامل الذي يُحقق الهدف، “وزارة الصحة تقول أنها تقدم العلاج النفسي مجاناً لجميع الأردنيين، وهذا غير صحيح لأن الوزارة تقدم أطباء وممرضين وخدمات إيواء نفسي للأشخاص الذين يعانون من حالة نفسية صعبة فقط، علاوة على أن الأخصائيين في جانب الصحة النفسية (بينعدوا على الإيدين) وهذا ما يدفع المرضى إلى العيادات النفسية الخاصة”، يقول الحمد.

يتفق الحقوقي كمال المشرقي مع الحمد، ويقول: “انطلاقًا من مسؤولية الدولة في توفير الرعاية والحماية للأشخاص ذوي الإعاقة النفسية لا بد من العمل على خلق كوادر تكون مؤهلة للتعامل مع الإعاقة النفسية، و توسيع انتشار العيادات النفسية في مختلف المحافظات والأقاليم، ويتطلب الأمر إعادة رسم الموازنة العامة المتعلقة بوزارة الصحة”.

لا مراعاة للجانب النفسي في أوامر الدفاع
من خلال رصد أوامر الدفاع جميعها، بالإضافة إلى المؤتمرات الرسمية والحكومية والإيجازات الصحفية، للوقوف على مسألة مراعاة الحكومة للجانب النفسي أثناء جائحة كورونا، لكن كان غائباً تماماً ولم يتم ذكره.

في هذه الجزئية اعتبر د.العزة أنه “كان على الحكومة أن تأخذ الجانب النفسي بعين الاعتبار وخاصة الأشخاص الذين يصابون بمرض الاكتئاب، فحالتهم ستتعرض لانتكاسة كبيرة بسبب الهيستيريا التي رافقت وباء كورونا المستجد والهلع والخوف والبقاء في المنزل، وانقطاعهم عن التواصل مع أطبائهم وانقطاعهم عن أدويتهم جعل حالتهم تتضاعف للأسوأ”.

الأردن وكثير من الدول في المنطقة اختزلت حالة الطوارئ وبرامج الحماية الاجتماعية في المواد الغذائية، ورغم أهميتها يجب إيلاء أهمية للجانب النفسي خاصة في ظل جائحة مثل كورونا، بحسب العزة.

أما مدير مديرية ذوي الإعاقة والصحة النفسية في وزارة الصحة د. فطين جانم يرى أن وزارة الصحة راعت الجانب الصحي، وبادرت منذ إعلان منظمة الصحة عن وباء كورونا المستجد بتبليغ المواطنين عن هذا المرض، ليقوموا باتخاذ الإجراءات اللازمة، الأمر الذي رفع نسبة الوعي لدى الأشخاص وعزز مناعتهم، إضافة لاهتمام الوزارة في توفير الأدوية وإرسالهم للمرضى، ومن بينهم المرضى النفسيين. ولفت إلى قيام “المركز الوطني للصحة النفسية باستقبال جميع الحالات، والدور الذي لعبه الأطباء بالذهاب لمنازل المرضى المسجلين في وزارة الصحة”، وفق تصريحه.

إحدى الحالات التي تواصلنا معهم بغية إعداد هذا التقرير قال:”حاولت الاتصال برقم الطوارئ و أبلغتهم بوضعي النفسي، وأنني أعاني من اكتئاب وبحاجة إلى الحديث مع طبيب نفسي لكن لم يستجب أحد لندائي واستغاثتي”.

من جانبها، قالت الجمل أنه وبحكم نشاطها في مجال دعم الأشخاص من ذوي الإعاقة في ظل جائحة كورونا، تبين لنا أن جميع الإعاقات بمعزل عن قرارات الحكومة، وأن هناك تقصيراً كبيراً بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وبالأخص الإعاقة النفسية.

العلاج النفسي ليس منّة
الأردن مُلزمة بتوفير العلاج النفسي للأشخاص المُصابين بأمراض نفسية، ومراعاة هذا الجانب من قبل الحكومة هو ملزم وفق القوانين والمعاهدات الدولية، إذ نصت المادة الثالثة من قانون الأشخاص ذوي الإعاقة في الفقرة (أ) على “لغايات تطبيق أحكام هذا القانون يعد شخصاً ذا إعاقة كل شخص لديه قصور طويل الأمد في الوظائف الجسدية أو الحسية أو الذهنية أو النفسية أو العصبية، يحول نتيجة تداخله مع العوائق المادية والحواجز السلوكية دون قيام الشخص بأحد نشاطات الحياة الرئيسية، أو ممارسة أحد الحقوق، أو إحدى الحريات الأساسية باستقلال”.

وفيما يتعلق بالإعاقة النفسية ألزمت المادة ( ٢٩) وزارتا التنمية الإجتماعية والصحة، كل حسب اختصاصه بالتنسيق مع المجلس القيام بتوفير برامج الوقاية من العنف والكشف عنه، وكيفية التبليغ والإخبار عند وقوعه وتدريب الأشخاص ذوي الإعاقة على ذلك، بمن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص من أصحاب الإعاقة الذهنية والأشخاص ذوي الإعاقة النفسية وأسرهم.

كما نصت الفقرة (ج ) من المادة (٢٨) في اتفاقية الأشخاص ذوي الإعاقة على “ضمان استفادة الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يعيشون في حالة فقر وأسرهم من المساعدة التي تقدمها الدولة لتغطية النفقات المتعلقة بالإعاقة، بما فيها التدريب المناسب وإسداء المشورة والمساعدة المالية والرعاية المؤقتة”.

ولا بد من الإشارة إلى تعليق منظمة هيومن رايتس ووتش على دمج من يعانون من امراض نفسية في قانون الأشخاص ذوي الإعاقة اذ قالوا في بيانهم ” يوسع القانون أيضا معنى الإعاقة، ويعرفه بأنه “قصور طويل الأمد في الوظائف الجسدية أو الحسية أو الذهنية أو النفسية أو العصبية، يحول نتيجة تداخله مع العوائق المادية والحواجز السلوكية دون قيام الشخص بأحد نشاطات الحياة الرئيسية، أو ممارسة أحد الحقوق، أو إحدى الحريات الأساسية باستقلال”. توسع المادة 6 حمایة القانون للأشخاص ذوي الإعاقات المؤقتة، الذين من المتوقع زوال إعاقتهم خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرا.”

المشرقي والجمل يؤكدان أن الدولة ملزمة بتوفير خدمات رعاية وخدمات صحية للأشخاص ذوي الإعاقة النفسية، وفقا للقوانين المعمول بها بالأردن والمعاهدات الدولية.

ووسط هذا القصور، ما زال حازم يُردد عبارة واحدة “هذه الحياة لم تُخلق للفقراء” وهو ساخط على واقعه وصحته النفسية في انحدار مستمر.

نشر التقرير في موقع الأردن اليوم *بدعم من منظمة صحافيون من أجل حقوق الإنسان

JHR


أضف تعليق

 

*