أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

التعليم عن بُعد: هل يتساوى الجميع في الحصول على تعليم جيّد؟

الإثنين 1 حزيران 2020

هبة جوهر – لجأت أم عامر المقيمة في مدينة كفرنجة بـعجلون إلى الحصول على حزم إنترنت إضافية عبر شراء علب “البيبسي” لربح الجوائز، وذلك لتؤمن حاجة أبنائها الثلاث الذين يتابعون تعليمهم عن بعد بالاستعانة بهاتف واحد، يتلقون من خلاله دروسهم، ويقدمون الإمتحانات الإلكترونية، كما يتواصلون مع معلميهم وأصدقائهم.

ابنها الأصغر في المرحلة الابتدائية، وشقيقتاه في المرحلة الإعدادية، ويفضلون متابعة دروسهم عبر منصة درسك الإلكترونية المجانية، التي أطلقتها الحكومة الأردنية نهاية آذار 2020 في إطار المحاولات الحكومية لاستمرار العملية التعليمية وضمان حق الطلبة بالتعليم، في الظروف الاستثنائية الناتجة عن تفشي فيروس كورونا وما عقبه من تعطيل للمدارس والجامعات.

وعلى الرغم من تسجيل 28 مليون مشاهدة للمنصة حتى منتصف نيسان الماضي، لكن تحديات كبيرة تواجه الطلبة في متابعة دروسهم، منها ما يتعلق بسرعة الإنترنت، واستهلاك المزيد من الحزم لمتابعة الدروس عبر المنصات والتطبيقات المختلفة، وعدم توفر الأجهزة الذكية اللازمة، فغالباً ما يعتمد أكثر من طالب في البيت الواحد على جهاز هاتف نقال واحد.

تعبر أم عامر عن تلك التحديات بلهجتها قائلة: “صرت أضرب على راسي”، في إشارة لحالتها عندما تصادف موعد امتحان نهائي لابنها، مع حصة لإحدى المواد الأساسية لشقيقته عبر أحد التطبيقات مع معلمتها، وفي ظل الاعتماد على هاتف واحد، شعرت الوالدة بعجزها عن تنظيم الوقت بسبب الموارد القليلة، مشيرة إلى أن أبناءها من الطلبة المتفوقين دراسياً، وحريصين على متابعة كافة المواد، وتسعى لمساعدتهم عبر الحصول على المعلومات من أجل تدريسهم.

مشاكل الانترنت تعيق التعليم

أم عامر ليست الوحيدة التي واجهت صعوبات بتوفير حزم الإنترنت بعد انقطاعها، حيث نفذت مؤسسة “أنا أتعلم” مؤخراً استطلاعاً في سبع محافظات، ضمن مبادرة أطلقتها تحت شعار “درسي بإيدك”، وذلك لايصال أجهزة إلكترونية واشتراك إنترنت للعائلات التي لا يحصل أبناؤهم على الحق في التعليم الجيد، نتيجة عدم توفر الأدوات اللازمة، والذي يعتبر أحد حقوق الإنسان الأساسية. وبينت نتائج الاستطلاع أن 79.3% من العينة المشاركة عانت من انقطاع الإنترنت من المنزل، أو نفاد حزم الإنترنت المتوفرة خلال متابعة الدروس.

مدير مؤسسة “أنا أتعلم” صدام سيالة يوضح أن المؤسسة تطالب بالشمول الإلكتروني وحصول الطالب على خدمة موحدة، معتبراً أن التعليم الإلكتروني يحسن من فرصة أي طالب للحصول على تعليم متساو مع أقرانه، مع الانتباه إلى مراعاة الفروقات الفردية في طريقة فهم المعلومة، وأن لا يلغي التعليم الإلكتروني المهارات الإجتماعية التي يكتسبها الطالب في المدرسة، مؤكداً أن التعليم عن بعد إذا ما تم التعامل مع تحدياته من ناحية المساواة بين الطلبة، سيحقق الهدف في الحصول على فرص موحدة في التعليم، مشيراً إلى أن التحديات الإضافية التي أوجدها التعليم عن بعد قد تقلل نسب التفاعل مع هذا النمط من التعليم، نتيجة شعورهم بفقدان السيطرة على وضعهم التعليمي بسبب أوضاع عائلاتهم الاقتصادية والمعيشية، التي تنعكس على توفر الإنترنت أو أجهزة ذكية يتابعون من خلالها الحصص والإمتحانات، ما سيؤثر على بيئة التعليم والتسرب فيما بعد، وفقاً لتوضيحه.

“طلبة لم ينخرطوا في التعليم عن بعد”

أكد وزير التربية والتعليم، الدكتور تيسير النعيمي في حوارية “التجربة الأردنية في التعليم عن بعد”، التي نظمها منتدى عبد الحميد شومان الثقافي”، في 20 من نيسان الماضي، أن الوزارة أجرت دراسات واستطلاعات بينت أن 78% من الطلبة يتابعون التعلم عن بعد، مؤكداً أن الوزارة تدرك أن هناك طلبة لم ينخرطوا في عملية التعلم عن بعد، لذلك سيتم تطبيق برنامج استدراكي لهم، لتعويض الفجوات لحاصلة.

هذا ما تؤكده تجربة أم قصي التي تعيش في منطقة الريشة في لواء وادي عربة، والتي تؤكد أن خمسة تلامذة فقط من أصل خمسة عشر في صف ابنها يتفاعلون مع المعلمة ويلتزمون بحل الواجبات، وهذا يستدعي منها القيام بتصوير ابنها أثناء تقديمه للإختبارات، وإرسال ورقة الإجابات والفيديو للمعلمة عبر مجموعة على “واتس أب”، أنشئت لغاية متابعة الطلبة ، مؤكدة أن ابنها يدرس من خلال هاتفها النقال، وهي بدورها تتفاعل وتتواصل مع المعلمات من خلال تطبيقات مختلفة.

وفي مطلع الأسبوع الحالي وافق مجلس الوزراء لوزارة التربية والتعليم على السير بإجراءات تزويد الطلبة في المناطق النائية ممّن لا تتوفر لديهم أدوات لمتابعة التعليم عن بُعد، بأجهزة “تابلت”، بالإضافة إلى تزويدهم بخدمات الإنترنت، بهدف ضمان استمراريّة العمليّة التعليميّة خلال فترة جائحة كورونا، وضمان استدامة التعليم في المناطق النائية التي لا تتوفر فيها مثل هذه الأدوات والخدمات.

لكن نقابة المعلمين ترى أن هذه الخطوة جاءت متأخرة، كما أنها غير كافية، كما جاء على لسان الناطق الإعلامي للنقابة، نديم عبد النور، الذي يؤكد على دعم النقابة لهذه الخطوات بقوله “ندعم الخطوات الإيجابية، لكن يوجد فرق بين الإنجاز والترويج الإعلامي، إذ جاءت الخطوة متأخرة فالعام الدراسي قارب على الانتهاء، ومنذ البداية كانت التجربة ضبابية وغير واضحة حتى في تقييم الطلبة”. موضحاً أن عدد أجهزة “التابلت” المنوي توزيعها 8 آلاف جهاز، وهو عدد غير كاف، فهناك مليون و400 ألف طالب في المدارس الحكومية، منهم مليون طالب لا يملكون الأدوات اللازمة لمتابعة الدروس عن بعد، بالإضافة إلى وجود مناطق نائية قد لا تصلها الكهرباء.

ويشير الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة إلى ضرورة ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة، وهذا يتطلب مواجهة التحديات الناتجة عن الفروق في القدرة على توفير الأدوات اللازمة لمتابعة التعليم عن بعد، والتي تجعل الفرص متفاوتة بين أكثر من مليوني طالب وطالبة التحقوا في العام الدراسي 2019/2020.

الافتقار لأدوات التعليم عن بعد

تتكون عائلة أبو أحمد من سبعة أفراد، خمسة منهم طلاب يتوزعون على المراحل الإبتدائية والإعدادية والثانوية، وما يزيد الأمر صعوبة أن اثنين منهم يفترض أن يتقدموا لامتحان الثانوية العامة هذا العام، ومع وجود هاتف واحد تمتلكه العائلة منذ أربع سنوات، يواجه الطلبة الخمسة مشكلة في الحصول على تعليم جيد، لاسيما أن العائلة تستدين ثمن بطاقة الإنترنت لمتابعة الدروس عبر التطبيقات والمنصات المختلفة، وليتمكن الأبناء من تقديم الامتحانات النهائية والتجريبية.

وفي ظل شح الموارد والأدوات اللازمة للتعلم عن بعد، اختارت العائلة التي تسكن في محافظة الزرقاء تأجيل تقدم ابنها لامتحانات التوجيهي هذا العام، لإعطاء الفرصة لشقيقته للدراسة عبر الجهاز الوحيد، أما باقي الأبناء يتابعون دروسهم عبر التلفاز، حيث تعلق الوالدة على ذلك بقولها”ما بدي بنتي تطلع مثلي، بدي اياها تكمل تعليمها وتساعد عائلتها، الولد بدبر حاله”، متمنية عودة المدارس وانتهاء الوباء.

وترى منال حزام، التربوية المتقاعدة والوالدة لثلاثة تلاميذ، أحدهم في الثانوية العامة، أن التعليم عن بعد فرصة يجب استثمارها، ولكن هناك الكثير من التحديات التي تواجه أبنائي أثناء التعلم على الرغم من توفر جهاز لكل منهم، منها ضعف الإنترنت، ومتابعة بعض الأساتذة مع الطلبة تكاد تكون معدومة، مشيرة إلى أن التقصير في المتابعة ليس من أساتذة المدرسة، بل من بعض الأساتذة في مراكز التعليم الخصوصي للتوجيهي، ما يتطلب جهداً إضافياً من الأهل للمتابعة مع الأبناء والتفاعل معهم، واستخدام التطبيقات لإيصال المعلومات.
وتشير نتائج استطلاع أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية في الثامن من نيسان الماضي، أن ما نسبته 80% من المتابعين لمنصة التعليم الإلكتروني والقنوات التلفزيونية التعليمية التي تقوم عليها وزارة التربية والتعليم، تعتقد أن هذه المنصات ليست بجودة التعليم المدرسي، بينما يرى نصف المتابعين أن لا فرق في جودة التعليم المقدم للطلبة بين المنصات الإلكترونية أو القنوات التلفزيونية، فيما واجه نصف مستخدمي منصة “درسك” مشاكل تقنية أثناء عملية التسجيل والمتابعة لهذه المنصة.

وتشكل التحديات التي تواجه الطلبة الأردنيين في التعليم الإلكتروني جزءا من مشكلة عالمية، إذ يفتقر 826 مليون طالب في العالم لجهاز حاسوب منزلي، وهناك 706 مليون طالب غير متصلين بالإنترنت، ويشكل هؤلاء ما نسبته 43% من الطلبة، بحسب بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، المنشورة على صفحتها الرسمية في موقع “فيسبوك” خلال نيسان المنصرم.

نشر التقرير في موقعي عمان نت وجو 24
*بدعم من منظمة صحافيون من أجل حقوق الإنسان JHR


أضف تعليق

 

*