أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

كيف تتحدى الكوادر الطبية أزمة كورونا؟ أطباء يسردون قصصهم

الخميس 16 نيسان 2020

“المراييل البيضاء” في مواجهة الجائحة.. تداعيات نفسية واجتماعية تفرضها كورونا
شِفاء القضاة*

عمان – “في آذار الماضي توفيت مسنة بفيروس كورونا ونحن حولها، كانت وحيدة بينما توزعَ أبناؤها بغرف العزل في المشافي بعمان وإربد، لقد ماتت دون أن يودعها أحد، كان ذَلك قاسيًّا ومؤلمًا، ولم يكن بيدنا حيلة”، هكذا يصف استشاري الأمراض الصدريّة والعناية الحثيثة في مستشفى الملك المؤسس في إربد الطبيب بشير الخصاونة أصعب اللحظات التي مرّت عليه وزملائه الأطباء أثناء رعايتهم للمرضى المصابين بالفيروس المتفشي.
يلخص هذ المشهد ما فرضه انتشار الفيروس المستجدّ من تحديات كبيرة على الأطباء بشكل خاص، وعلى كافة أفراد الرعاية الصحية عامة، الذين يقاسمون المصابين آلامهم ومخاوفهم.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة الصحية على الإجهاد الذي يعاني منه أفراد الطواقم الطبية، من أجل العناية وتقديم اللازم للمصابين المعزولين، الذين ينقسمون إلى قسمين: مصابين تظهر عليهم أعراض المرض، وآخرين لا تظهر عليهم الأعراض، إذ يحرمهم هذا العبء من الاستراحة والحياة الطبيعية، كما يفرض تداعيات نفسية تتمثل بالقلق الذي يتولد من التفكير بإجراءات الوقاية والحذر أثناء التعامل مع المرضى أو المشتبه في إصابتهم، خوفاً من الإصابة ونقلها لأسرهم، هذا ما يحدث مع الخصاونة، رغم خبرته الطويلة في الخدمة الطبية على مدى 30 عاماً، إلا أن التوتر الذي تفرضه الظروف أثر عليه حتى بات يعيشُ وسط قلقٍ دائِمٍ من خروج الفيروس عن السيطرة.
وأكثر ما يخشاه الاستشاري هو انتقال العدوى للأطباء، جراء مخالطتهم للمصابين، ومرضى آخرين يترددون على المشفى، إذ من الممكن أن يكون أحدهم مصابا دون أن يكتشف إصابته، يقول “إن أصيب أحدنا بالفيروس، سيعزل 14 يومًا بينَ القلق والانتظار”، موضحًا أن الأخصائيين الموكلة إليهم مهمة الإشراف على الكادر الطبي غالبيتهم في الخمسينيات من عمرهم، وهي الفئة التي قد تتأثر بالفيروس بشكل أكبر، ما يتطلب مزيداً من الحذر.
“مسلسل الخوف لا ينقطع”، يردد الخصاونة، فأي اشتباه بإصابةِ أحدِ العاملين في المشفى يوجب على جميع أفراد الكادر الخضوع للفحص، وما يتبعه من انتظارٍ للنتائج، كأنه جحيم نفسي، على حدّ وصفه، خاصةً وأنه يتكرر من مرتين إلى 3 مراتٍ أُسبوعيًّا، إذ يبدأ مسلسل القلق بعبارة”هناك فحص لفلان”، وينتهي بظهور النتائِج بعد 12 ساعة انتظار، ويفصل بين المرحلتين شريط ذكرياتٍ كاملٍ لجميع الأعمال والأنشطة مع المشتبه به، خوفاً من مخالطته وانتقال العدوى لهم في حال ثبتت إصابته.
يعد الاستشاريّ مع زميلينِ له، مسؤولين عن نحو 70 مقيمًا؛ يتبادلون معهم الهموم والمشاكل أملًا بتفريغ الضغط المترتب عليهم إزاء العمل المتواصل، وتبديد الرهبة التي تسكنهم خلال مواجهتهم للوباء المنتشر.
تداعيات نفسية
شهرٌ و10 أيامٍ متواصلةٌ قضاها محمد القيسي، الممرض القانوني ومدرب الكوادر في مستشفى الأمير حمزة، خلال رعاية المصابين بالفيروس، بعد إرسال زوجته إلى بيت ذويها، خوفًا من انتقال العدوى له جراء مخالطته للمرضى، ثم نقلها لزوجته.
السبب ذاته، منعه من زيارة والدته في عيد الأم لأول مرَةٍ منذُ 35 عاماً، يروي ذَلك بقوله “كان من الصعبِ علي ألا أحتضنها أو أُقبلها، لكنني خِفتُ عليها”
عَمِلَ القيسي على تدريبِ الكوادرِ الطبيَّةِ في المشفى مع بدِء انتشار الفيروس في العالَم بعدَ تحوله لمكانٍ لعزلِ المُصابين، إذ دربَ 20 ممرضًا وطبيبًا على بروتوكولات التعامل مع حالات العزل، وكيفيَّةِ دخول الأقسامِ وارتداء الملابس الواقية، والتي تتمثل ببذلةٍ كاملةٍ ذات لونٍ أبيض وواقٍ كامل للوجه، وقناع خاص بالفيروسات صالح للاستعمال لمدة 5 ساعات.
وكان القيسي قد عايش القلق ذاته عندما ظهر فيروس كورونا للمرة الأولى في العالم في المملكة العربيَّةِ السعوديَّة العام 2013، حينها كان يعمل كممرض هناك، واحتلته المخاوف ذاتها كون الكوادر الطبيَّةَ معرضةٌ للإصابة بالفيروس، أو الاعتداء من قِبل أي مريضٍ أو شخصٍ من أقاربه، واصفاً ذلك بالقول “نحن مستنفرون نفسيًّا، لدينا استعدادٌ لتقبل أي شيءٍ قد يضرُّ بأجسادِنا أو نفسياتِنا”.
التعامل مع المصابين
لا يُغادر القيسي المشفى إلا لساعاتٍ قليلة، وأحيانًا يضطرُ للنومِ فيه، ليكون في جاهزية تامة لدى وصول أي إصابةٍ أو حالة مشتبه بإصابتها، ليرتدي بذلته، ويستقبلها عند باب المشفى، يرافقها وزملاؤه حتى قسم العزل، لتبدأ بعدها سلسلةُ الفحوصات، للضغط والحرارة، ونسبة الأكسجينِ بالدم، وطرح الأسئلة حول التاريخ المرضي للعائلة، أو الجراحي للمُصاب؛ لتتبعها سلسلة من التفقدات والاطمئنان كل ساعة.
تلك الحال تسببت للممرض الذي كانَ أول متطوِّعٍ للعمل في أقسام العزل، بضغطٍ نفسيّ، يقول”إنهم ينعزلون عن العالم 14 يومًا، ولا يرون أحدًا سوانا بالبذلة التي تُخيفهم، يبدو الأمر متعبًا حين يخافون منا، بينما نستمر نحن بإخبارهم أننا نتواجد لمساعدتهم، وإعطائهم الأدوية والعلاج”، وعلى الرغم من تفهمِ القيسي لهذا الخوف، إلا أن انتظارهم لنتيجة الفحص واستعجالهم للخروج وسؤالهم المتكرر عن هذا الأمر، يرهق الكادر الطبيّ، رغم تفهمهم له، على حدّ تعبيره.

وعقب 14 عاماً من العمل في قسم العنايةِ الحثيثة، يرى القيسي أن الخبرة التي جناها من عمله مع فريق الأوبئة تساعدهم في ضبط الوضع، ويستمرون بتقديم الدعم النفسيّ والعاطفيِّ للمصابين، وتشجيعهم لتقليل درجة الخطورة، وتقبّل كل الانفعالات السيئة من قِبل بعضهم، وطمأنتهم، حتى لو عنى ذَلك أن يمتنع الكادر الطبيُّ عن النوم، أو يسرق ساعتين – 3 ساعاتٍ يوميًّا للراحة.
ولا يمكن فصلُ دور الممرضين عن الأطباء الذين يسعون بكامل طاقتهم لمؤازرتهم بروح الفريق، ويبقىى الطرفان متهيآن لفتح أيِّ قسمٍ في المشفى للعزل بأي لحظة، ويستمران في الخدمة علما أن نسبة إصابتهم بالعدوى مرتفعة، إذ إنَّ الفيروس صغير الحجم، ويمكن لشق صغير بمقدارِ واحد على عشرة نانو ميتر – ما يجعل ثقب الإبرة كبيرًا جدًا مقارنة به- في البذلة أو القناع أن يدخلاهُ للطبيب أو الممرض، بحسب القيسي.
مسؤوليات مضاعفة
يتفق رئيس مقيمي الباطني في مشفى الأمير حمزة الدكتور وضاح الجعافرة مع القيسي باختلاف المصابين في تقبّلهم للفيروس وتأثير ذلك على معنوياتهم، غير أنَّ السيطرة على الوباء هو أولى اهتماماتهم، ما يدفعهم للقيام بعملهم الطبيعيِّ من شرح المرض والاحتماليات الموجودة وبروتوكولات العمل، والنتائج المتوقعة، ورفع معنويات المرضى، معتبراً أن من السيئ أن يقلق المريض ولا يتمكن الطبيب من تهدئته.
ويزداد الضغط على الكوادر الطبيَّةِ في الأزمات، وتضج حياتهم بالتوتر، غير أن دعمهم لبعضهم البعض كفريقِ واحد، وتشجيع الناس لهم يخفف وطأة ما يمرونَ به، لكنهم يتشابهون في حالة الانعزال والانقطاع عن أسرهم تطبيقاً لقواعد التباعد الاجتماعي، فالجعافرة انقطع وزوجته عن أُسرتيهما في محافظة الكرك منذ شهرين، كما أنه يفضل عدم الذهاب للمتاجر ويعتمد على التوصيل لما يحتاج له.
ويعتبر الطبيب أن مشاهدته لعائلاتٍ بالكامل تدخل العزل أمر مزعجٌ جدًا ومُرهق، لأن الكوادر الطبية تراهم قلقينَ على بعضهم، ويطمئنون على صحةِ أفراد الأسرة المعزولين في غرف مجاورة، والانقطاع عن أقاربهم، مستدركًا بالقول”أما الوفاة تجعلني أتخيَّلُ إصابتي بالفيروس وحالي مع أُسرتي التي سأنقل لها العدوى، هذا بلا شَك، مؤلمٌ جدًا”، تكاد تكون هذه المُشاهدات الأكثر قسوةً بالنسبةِ للجعافرة، بالإضافة إلى تدهور صحة المريض.
ويترأس الجعافرة فريقا من 45 طبيبًا مُقيمًا، يعملون تحت الضغط المتواصل لمتابعة المصابين، غيرَ أنَّ مصدر خوفهم يتمثل بنقل العدوى للغير، يقول الطبيب إنهم يعرفون أكثرَ من غيرهم أخطار المرض، لدرجةِ مراجعتهم يوميًّا لأماكن جلوسهم ومع من اختلطوا، وماذا استعملوا، وفهمهم التام أن خروجهم من المشفى يعني المساهمةِ بنقل العدوى، ففي الوقتِ الذي يتواجد به الناسُ في منازلهم، يُعلنُ الأطباء بقاءهم في المشافي.
إجراءات حماية الكوادر الطبية
تضم المملكة 3 مشافٍ للعزل، تشمل مستشفى الأميرِ حمزة، والملك المؤسس، والملكة علياء، يقود عمليات العلاج والإشراف فيها فيها نحو 10 أخصائيين، كُلٌ حسبَ اختصاصِه، ويُمكنُ لأيِّ طبيبٍ التطوع للعملُ فيها، شريطة الالتزام بوسائل الوقايّة، بحسب الناطق باسم اللجنة الوطنيِّةِ للأوبئة الدكتور نذير عبيدات.
ويلفت نقيب الأطباء الدكتور علي العبوس إلى قيام النقابة بالتعاون مع وزارة الصحة بدعم الأطباء وتوعيتهم بالفيروس، وتأمينهم بالمستلزمات واللباس والمطهرات، إضافةً لإجراء الفحوصات المتكررة، لمنع انتقال العدوى من الطبيب إلى عائلته، مشيراً إلى أن دعم الأطباء نفسيًّا يحدث من التوجه لهم بالشكر لتحفيزهم، لكن الصعوبات قائمة بسبب عزل الطبيب لنفسه عن أهله، أو شعوره بالخطر المحدق به من انتقال العدوى لَه، بالإضافة لحذره من اختلاطه بمرضى آخرين في الطوارئ، فمن الضروري التأكد من سلامته لدى عودته للمنزل.
وينوه نائب نقيب الممرضين محمد الخرابشة إلى أن الإصابات قد تنتقل لهم من مخالطتهم لمُصابين خارج المشفى، رغم أخذهم للحيطة، خاصةً مع تزايد أعداد الحالات، إذ تقوم النقابة بمحاولاتٍ لتغطيةِ احتياجات الممرضين أو نقص المستشفيات من قِبلها، مؤكداً أنهم ينفذون زياراتٍ ميدانيَّةٍ للمشافي، بغرض تقديم الدعم النفسيِّ لهم، لما للحالة النفسيّة من دور خلال عملهم، خاصةً وأنهم في قلب المعركةِ وعلى تماسٍ دائمٍ بالمرضى.
ويعمل في الحقل الطِبيِّ 24 ألفَ طبيبٍ مسجلين في النقابة، و 15 ألف ممرضٍ يتوزعون كالتالي: 11 ألفًا في وزارة الصِحة، و4 آلافٍ في القطاع الخاص، بحسبِ كُل من العبوس والخرابشة.

نشر التقرير في موقع جريدة الغد اليومية أقرأ هنا
*بدعم من منظمة صحافيون من أجل حقوق الإنسان JHR


أضف تعليق

 

*