أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

مدارس بعيدة تحول دون إكمال فتيات تعليمهن في جرش

الأحد 5 نيسان 2020

ميلاد الزعبي*
توقفت ثمانُ شقيقات عن إكمال تعليمهم المدرسي في قريتهن الواقعة في قضاء محافظ جرش، رغم تحصيلهم العلمي الذي كان جيداً، لكن بُعد المدرسة الجغرافي كان وحده سببًا لفقد حقهن في التعليم.
“المدرسة بعيدة وفش أمان عليهن، طلعتهن كلهن من المدرسة من الصف السابع والثامن وأكثر وحده قعدت للصف العاشر”، تقول والدتهن جميلة السعد (60 عاما) ملخصة واقع فتيات في قرى يفقدن حقهن في التعليم.
“هذول صبايا الواحد بأمنش عليهن لا فيه مواصلات ولا فيه مدرسة قريبة والطريق بعيدة وكلها أحراش وخطر”، ولم يحصل أي من أولادها إناث وذكور على أي شهادة ثانوية أو جامعية.

تدرك جميلة فقدان بناتها لحقهن في استكمال تعليمهن وحرمانهن منه لسبب بسيط آلا وهو “المواصلات” “والله حرام ينحرموا من التعليم بسبب المواصلات وبعُد المدارس”. حال أولادها الذكور ليس بأحسن، فجميعهم لم يكملوا التعليم لذات الأسباب فضلا عن الوضع المادي السيء للعائلة.
جميلة وفي لحظة الحديث المفصل عن هذا الواقع، تقول: “بناتي شاطرات بس ما بقدر اخلهن يطلعن على مدرسة بعيده لحالهن” ولم تنكر جميلة أحقية البنات في التعليم.
يسكن محمد سالم (59 عاما) بمنزل ليس بعيد عن منزل السيدة جميلة، وهو أب لسبع إناث وأربعة ذكور، يقول “طلعتهن من المدرسة، ولا واحدة منهن كملت بعد الصف السابع”.
لا يوجد مواصلات مؤمنة أو حتى مدرسة قريبة، والمسافة 6 كيلو، “ما حد بيأمن على بنته تطلع المسافة هاي”، يقول محمد وهو يشير إلى أن الإشكالية تعود إلى أربعين عاماً حتى تقرر بناء مدرسة مستأجرة العام 1996 مختلطة إلى الصف الرابع.


وهذه المدرسة التي يشير إليها محمد، تعود ملكية الأرض المقامة عليها للدولة ولا يتم تخصيص أرض لإنشاء مدرسة أو إضافة بناء إلى المبنى المستأجر لزيادة الصفوف.
مدرسة الديسة المختلطة حتى الصف الرابع ابتدائي، وهي أقرب مدرسة لمنزلي جميلة ومحمد. تخدم تلك المدرسة المستأجرة 1100 نسمة بمتوسط عدد الطلبة 17 في كل شعبة.
مديرة المدرسة الأستاذة بسمة الرواشدة، شكت عدة مرات إلى الوزارة من عدم وجود ساحة خاصة للمدرسة حيث أنها مشتركة مع مدخل مساكن الجيران المجاورين.
“المنطقة مقطوعة والمسافة بينا وبين المدارس الثانية كلها غابات والأهالي يمتنعوا عن إرسال بناتهم إلى المدرسة، وكثير من الفتيات لا يكملن تعليمهن بعد الصف السادس والسابع”، تقول الرواشدة.
المشكلة يعاني منها أيضاً الكادر التعليمي والخدمي في المدرسة، حيث تضطر المعلمات إلى المسير قرابة 2 كم ذهاباً واياباً ليصلوا إلى المدرسة.
يضطر الأهلي إلى نقل أبنائهم إلى مدارس في وسط القرى المجاورة بسبب المدرسة الأقرب تغطي حتى الصف الرابع، لكن أقرب تلك المدارس، تبُعد عن المنازل قرابة (6كم) ذهاباً واياباً.
بُعد المسافة ليست المشكلة في عزوف الأهالي عن إكمال دراسة أبنائهم، ولكن ما يرافق ذلك البعد، وعورة المنطقة الواقعة بين غابات ووجود حيوانات ضالة من كلاب وضباع وخنازير، يراها بعض الأهالي أسبابا كافية لعدم إرسال ابنائهم وبالذات الفتيات إلى مدارس القرى المجاورة.
توجهنا إلى مساعدة مديرة مدرسة نحله الثانوية للبنات، منال العمري، وخلال مقابلتها، أقرت لنا بطبيعة المنطقة الجغرافية التي تقف حائلا أمام وصول طلبة من المناطق البعيدة إلى المدارس الرئيسية في القرى. مبدية تعاطفاً مع الطلبة المتأخرين.
“لما تيجي طالبة متأخرة وتقولي أنا طالعه من البيت على المدرسة الساعه سته ونص الصبح شو رح أحكيلها”، وتوضح العمري أن بعض الطالبات خلال فصل الشتاء بالذات يظهر على أقدامهم المسافات الطويلة التي يقطعونها “أحذية بعض البنات بتكون كلها طين من بعد المسافة الي قاطعيتها”.
دائمة القلق العمري على الطالبات خلال رحلة الذهاب والإياب إلى المدرسة، “في الغالب يتم نقلهن بشكل جماعي بحافلات مستأجرة من قبلهن، ولكن قد يصدف أن بعض الطالبات تضطر أن تتأخر في المدرسة مما يجعلها تقطع تلك المسافات وحدها”.
يقر مدير مديرية التربية والتعليم في محافظة جرش الدكتور، حسين السعيدين، بأن البُعد الجغرافي لمدارس يشكلُ عبئا كبيرا على المديرية مما دفعه بقرار تأخير دوام المعلمين ربع ساعة إضافية ليكونوا قادرين على الالتحاق بعملهم وتخفيف من عبء المسافة عليهم بشكل دائم وذلك ضمن صلاحيته.
عدد المدارس كافية في مدينة جرش لكن بُعد بعضها يشكل أرقا، فيما جميع المناطق البعيدة مخدومة بأبنية مستأجرة للصفوف الدنيا.
تقدم مديرية التربية والتعليم خدمة نقل بحافلتين لمدرسة واحدة وهي مدرسة الملك عبد الله للتميز، أما باقي المدارس فليس لها كتلك المدرسة من خدمة، فهي مسؤولية أساسية لهيئة تنظيم قطاع النقل العام، “لا يكون لنا أي دور في ذلك أبداً، فما ينطبق على مديريات المملكة ينطبق على جرش” يقول السعيدين.
يدعو المركز الوطني لحقوق الإنسان في تقريره السنوي 2018 إلى مساواة جميع المدارس من حيث الخدمات ونوعيتها وجودتها بما ينعكس إيجابا على نوعية التعليم في الأردن.
يرى السعيدين أن المشكلة تكمن في عدد الطلاب القليل في المناطق البعيدة، فبعض الصفوف كما يقول لا يتجاوز عدد طلابها ثلاث، مما يشكل صعوبة في فتح شعب وتوفير كادر في تلك المدارس، “في مثل هذا الوضع تنعدم التنافسية بين الطلاب مما يؤثر على تحصيلهم، فخلق بيئة تنافسية تضطرنا إلى نقلهم إلى بيئة مناسبة”.
يؤكد السعيدين أن تقارير الإشراف التربوي على المدارس البعيدة ذات العدد القليل من الطلبة تنعكس على التحصيل العلمي للطلاب، فجميع تقارير الإشراف التربوي تؤكد أن مستوى التحصيل متدنية جداً وأن الأهالي يشتكون من مستوى التحصيل الأكاديمي.
عن صلاحية المدارس المستأجرة في المحافظة، يقول السعيدين ان المدارس المستأجرة لا تحقق جميع المواصفات المطلوبة من قبل الوزارة، فقد زارا سابقا عدة مدارس منها ورأى أنها لا تحقق البيئة المناسبة للتعليم.
تبلغ أعداد المدارس الحكومية في المملكة حسب التقرير السنوي لعام 2018 لوزارة التربية والتعليم (3835) مدرسة، موزعة على كافة المحافظات، وتبلغ مدارس محافظة جرش الحكومية (179) مدرسة تمتلك مديرية التربية في المحافظة (137) مدرسة وتستأجر (42) مدرسة.

تفتقر المدارس المستأجرة إلى البيئة التعليمية المناسبة، حيث تبلغ نسبتها في محافظة جرش 23%، وتنعدم في تلك المدارس البيئة التعليمية المناسبة حيث أن تلك المباني اعدت بالأصل لتكون بيوت للسكن وليس للدراسة، رغم تأكيد وزارة التربية والتعليم أن طرق إيجار تلك المدارس يكون من خلال لجنة مختصة تشرف وتدرس الحالة العامة للمدارس المستأجرة.

نشر التقرير في موقع الأردن اليوم يمكن الاطلاع عليه

*بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR


أضف تعليق

 

*