أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

علاج لاعبي كرة القدم..أندية تتهرب ولوائح قاصرة

الإثنين 24 شباط 2020

أحمد بني هاني*

تعرض اللاعب في صفوف نادي البقعة فرح مكحل لقطع في الرباط الصليبي الأمامي في كانون الثاني عام 2019، أثناء تدريبات الفريق تحضيراً لمرحلة الإياب من الدوري الأردني لكرة القدم.

ورغم احتياجه لتدخل جراحي سريع لمنع تفاقم الإصابة، لكنه أمضى 27 يوماً بانتظار ناديه الذي ماطل في توفير تكاليف علاجه وعمليته، فاضطر مكحل إلى تأمين 50% من تكاليف الجراحة، ليحمل النادي ما تبقى، وأجرى العملية عقب شهر من تشخيص إصابته.

هذا الحال، أجبر مكحل على رفع قضية بحقّ الإدارة السابقة للنادي لتأخرها عن تعويضه ودفع مستحقاته التي حصل عليها بعد 6 أشهر من رفع القضية، حيث دفعتها له الإدارة الحالية للنادي، وفق قوله.

ويبين المنسق الإعلامي لنادي البقعة خلال الموسم الكروي الماضي أحمد سلام، أن الأندية تصطدم بالعجز المالي وعدم توفر المبالغ المطلوبة للعلاج، وخاصة في حال أصيب أكثر من لاعب خلال الموسم، معتبراً أن إجراء الجراحة لمكحل عقب 27 يوماً ليس تأخيراً، في ظل الأوضاع المادية الصعبة التي يمر فيها النادي.

ويقضي عقد اللاعب مع ناديه بوجوب تكفل النادي بتوفير العلاج ضد الإصابات الرياضية التي يتعرض لها اللاعب، سواء في التدريبات أو المباريات، رغم ذلك تماطل النوادي في ذلك، وفقاً لتجربة أربعة لاعبين يوثق التقرير قصصهم، ورغم افتقار الاتحاد الأردني لكرة القدم إلى إحصائيات دقيقة بأعداد اللاعبين الذين يتعرضون لإصابات في المسابقات المحلية، إلا أن مشكلة تحمل النوادي لمسؤولياتها المادية لدى إصابة لاعبيها تواجه عشرات اللاعبين، وتعرقل مسيرتهم الكروية.

اعتزال بداعي الإصابة

يؤدي تجاهل النوادي المحلية واتحاد كرة القدم لتقديم الرعاية الصحية اللازمة للاعبيها إلى تضررهم لدرجة تصل إلى الاعتزال بداعي الإصابة، نتيجة عدم قدرتهم على استكمال العلاج، أو لتفاقم إصاباتهم أثناء انتظار تكفل نواديهم بتكاليف العلاج اللازمة. بحسب اللاعبين.

“أجبرت على اعتزال لعبة كرة القدم، بعد رفض النادي التكفل بعلاجي من إصابة تآكل في الورك، التي تعرضت لها وأنا لاعب في صفوف أحد أندية الدوري الأردني للمحترفين”، هذا ما يقوله اللاعب سامي علي (اسم مستعار بناءً على طلبه) عن تجربته بعد مماطلة النادي الذي لعب لحسابه بالتكفل في علاج إصابته، رغم أن القانون يُلزم النادي بتوفير وثيقة تأمين للاعبيه وفق قوله.

ورغم مسيرة اللاعب علي المميزة، حيث مثل المنتخب الوطني الأول لسنوات طويلة، لكن الاتحاد لم يقدم له أي مساعدة أيضاً، فاضطر لاستكمال رحلة علاجه التي امتدت لعام ونصف على نفقته الخاصة، بعد تهرب النادي والاتحاد من مسؤوليتهما، ثم قرر الاعتزال.

وكان الاعتزال مصير اللاعب خالد عمر أيضاَ (اسم مستعار بناءً على طلبه)، والذي اتخذ قراره بالتوقف عن اللعب بعد تعرضه لإصابة رباط صليبي في الركبة، أبعدته عن الملاعب لفترة طويلة قبل أن يعتزل.

عمر تكفل بكامل مصاريف علاجه، ثم رفع دعوى قضائية على النادي لدى الاتحاد الأردني لكرة القدم، وقضى الأخير بأن يدفع النادي تكاليف علاجه، لكنه لو قرر استئناف اللعب مجدداً فعليه إجراء عملية جراحية أخرى، ولكن على نفقته الشخصية، لأن الاتحاد لم يصدر حكماً بدفعها. كما يروي.

وتتشابه تجربة اللاعبيْن سامي علي وخالد عمر مع تجارب عشرات اللاعبين في الدوري الأردني للمحترفين، الذين “يلهثون” وراء الأندية في تأمين مصاريف العلاج للإصابات التي يتعرضون لها في الملاعب، وفق الصحفي الرياضي حاتم ظاظا.

وبحسب الاتحاد الدولي لكرة القدم “FIFA” فإن المحترف هو اللاعب الذي لديه عقد مكتوب مع ناد ويدفع له في مقابل نشاطه في كرة القدم أكثر من مصروفاته الفعلية التي يتحملها، وبحسب إحصائيات رسمية وصل عدد اللاعبين المحترفين المحليين في الدوري الأردني لكرة القدم الموسم الماضي 350 لاعبا، في حين يصل العدد الكليّ مع الأجانب إلى 400 لاعب.

وتلزم عقود اللاعبين المحترفين الأندية والمنتخبات بتوفير كل متطلبات السلامة، وعلاج اللاعبين والتكفل بتقديم أفضل العلاجات لهم طوال فترة العلاج، وتعويضهم والاستمرار بإعطائهم رواتبهم الشهرية بموعدها المحدد، وفق لوائح “FIFA”.

تداعيات صحية للمماطلة في العلاج

لم يتفاعل النادي مع احتياجات اللاعب عمران محمد (اسم مستعار) والمتمثلة بالتكفل بالعمليات الجراحية التي احتاجها في ركبته، ورغم أنه ملزم بعلاجه كما يقول، لكنه لم يتلق منه أي إجابة، فلجأ إلى الاتحاد الذي تكفل بعلاجه كحالة إنسانية.

ويشير ظاظا إلى أن الأندية تنقسم إلى قسمين، الأول يستجيب لللاعبين ويتكفل بالعلاج والعناية الطبية بعد الجراحة، كما يلتزمون بالرواتب الشهرية كاملة وفي موعدها المحدد، في حين يكون القسم الآخر على النقيض من ذلك.

ويلعب الوقت دوراً مهماً في سرعة استشفاء اللاعب من الإصابة، وفق استشاري جراحة العظام والمفاصل وإصابات الملاعب الدكتور باسل عواد، موضحاً أن اللاعب بعد تعرضه للإصابة يجب أن يخضع للفحص الطبي مباشرة، لتحديد نوع إصابته ونوع العلاج الذي سيخضع له، فكلما تأخر في علاجها تتفاقم وتزداد سوءاً.

لذلك فإن تأخر الأندية في تأمين تكاليف علاج اللاعبين، يزيد من معاناتهم ويطيل وقت الاستشفاء، يؤكد عواد، مشيراً إلى أن إصابة الرباط الصليبي وهي الأكثر شيوعا لدى اللاعبين في الأردن، قد تصل تكلفة إجراء الجراحة لها إلى 4 آلاف دينار، وقد تقل أو تزيد حسب نوع وحجم الإصابة.

وتستدعي إصابات الرباط الصليبي الأمامي بالعادة التدخل الجراحي الذي يبعد اللاعبين عن الملاعب لنحو 8 أشهر، وقد تصل إلى عام كامل حسب الاستجابة للعلاج، في حين يتم علاج الرباط الصليبي الأنسي بطريقة تحفظية دون جراحة، لكن التأخر في تشخيص الإصابة وإجراء العلاج اللازم قد يسبب مضاعفات تطيل أمد الشفاء، ومن الممكن أن تمتد الإصابة إلى الغضروف أو الأربطة نتيجة لعدم ثبات المفصل المصاب، في حين يتم التعامل مع الإصابات العضلية البسيطة من قبل المعالجين في الأندية ولا تستدعي الجراحة. كما يوضح عواد.

وتمتد الرعاية الصحية بعد إجراء التدخل الجراحي أو التحفظي، وذلك من قبل المعالجين في الأندية، إذ يقومون بمتابعة نجاح الجراحة وعودة اللاعب إلى ممارسة اللعبة.

فرح المكحل على سرير الشفاء

أزمة الأندية المالية

يؤكد اللاعبون الذين قابلهم معد التقرير أن الأندية لا تؤمن على لاعبيها ضد الإصابات، وهذا ما يؤكده الطبيب عواد من خلال اطلاعه، فإن اللاعبين المصابين غالباً ما يضطرون لإجراء الجراحة أو العلاج على نفقتهم في حال تملصت الأندية من ذلك، وآخرين يتم تأمين إعفاء طبي لهم.

ويعزو عضو مجلس إدارة نادي الجزيرة زياد ارميلي قصور النوادي في التكفل بعلاج لاعبيها إلى الظروف المادية التي تعيشها الأندية الأردنية، والتي تجد صعوبة كبيرة في توفير المبالغ اللازمة للعلاج، قائلاً إن الأندية كلها تعاني في ظل وجود الاحتراف الذي لم يبن على أسس صحيحة.

ورغم تأكيده على أن النادي ملزم قانونياً بعلاج اللاعب المصاب، وأن القضية ليست بتوفير وثيقة التأمين هذه بقدر رغبة النادي بإعادة تأهيله حتى يعود للعب، لكن النوادي تصطدم بعوائق منها أن الاتحاد لم يسدد الكثير من المستحقات والالتزامات المالية للأندية، ما يجعل الأندية تعاني، ويضطر اللاعبون لرفع الشكاوى في حال عدم استلامهم للرواتب أو تكاليف علاج الإصابات.

وتتجاوز الفاتورة الشهرية للأندية 40 ألف دينار، بالمقابل الاتحاد يدعمها ب 9 آلاف دينار فقط، ما يفاقم الأعباء المالية على الأندية، ويمتد هذا الأثر على اللاعبين والأجهزة الفنية والإدارية والطبية، ولهذا فإن الاتحاد يتحمل جزءاً من هذه المشكلة. بحسب ارميلي.

وبلغ عدد الإصابات في نادي الجزيرة آخر عامين 14 إصابة، غالبيتها كانت عضلية، بالعضلة الضامة وأربطة الكاحل، بحسب المعالج في النادي جبرين مناصرة.

أما في نادي الوحدات، فقد سجلت 20 إصابة، 5 إصابات منها رباط صليبي، وقطع بوتر اكليس، في حين كانت 7 إصابات متوسطة و8 بسيطة، تمثلت بالكدمات والشد العضلي. وفقاً لـ المعالج مأمون حرب.

وسجلت 30 إصابة لدى نادي الفيصلي، إصابتان رباط صليبي جانبي، وحالة رباط صليبي مع وجود تمزقات، وباقي الإصابات عضلية، بحسب تقديرات معالج النادي شادي عاصي.

لوائح قاصرة

لا تتضمن لوائح الاتحاد الأردني لكرة القدم التعليمات الواردة في لوائح الـ”FIFA”، والتي تنظم طبيعة العلاقة بين أركان اللعبة من لاعبين وأندية واتحاد الكرة، فالاتحاد يعتمد على قوانين قام بصياغتها أشخاص لا علاقة لهم بكرة القدم، بحسب ظاظا.

ويوافقه في ذلك الخبير القانوني في كرة القدم عماد الحناينة، الذي يرى أن لجان الاتحاد الأردني تفتقر إلى الكثير من المهنية في الحفاظ على حقوق اللاعبين، ولا توفر الحماية القانونية لهم ضمن المتطلبات الدولية وقوانين حقوق الإنسان وقوانين العمل.

ويفرض الاتحاد الدولي وجود وثائق تأمين للاعبين، وضمان التعويضات المالية وتشمل الإصابات والوفيات والعلاج، وهذا ما يطلبه الاتحاد الأردني من إدارات الأندية، لكن بلا متابعة أو رقابة، ولا يتشدد في مسألة وجود وثيقة التأمين، بحسب الحناينة.

كما أن التعليمات واللوائح المنشورة على موقع الاتحاد الأردني لكرة القدم، والتي اطلع عليها معد التقرير لا تتضمن البنود الملزمة للأندية بتوفير وثيقة تأمين ضد الإصابات، في الوقت ذاته، يؤكد الاتحاد أنه يفرض على الأندية تأمينها، ويدقق على وجودها ضمن الوثائق التي ترد إليه.

ويبيّن الحنانية أن الاتحاد الأردني أُجبر مؤخرا على تعديل بعض القوانين واللوائح لتنسجم مع قوانين الـ”FIFA”، وإلا سيكون مخالفاً ويتعرض لعقوبات، بعد اعتماد الفيفا لوثيقة حقوق الإنسان لعام ،2017 والتي تنص على أن “جميع اللاعبين متساويين في الحقوق المالية والصحية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية”.

والفيفا ملتزم بـ”احترام جميع حقوق الإنسان المعترف بها دولياً، ويجب أن يسعى لتعزيز حماية هذه الحقوق، ويشمل ذلك حقوق اللاعبين وتوفير متطلبات الأمن والسلامة والحماية والعلاج وجميع حقوق الإنسان المعترف بها دولياً بما في ذلك تلك الواردة في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان”.

وبدأ لاعبون مؤخراً بالتحرك لتشكيل رابطة خاصة تمثلهم لدى الاتحاد الأردني أسوة بروابط اللاعبين الدوليين، الأمر الذي سيحد من التجاوزات والتغول على حقوق اللاعبين وضمان تحصيل كامل حقوقهم. يقول ظاظا.

مسؤولية الاتحاد

يلخص مدير الإعلام في الاتحاد الأردني لكرة القدم محمد العياصرة دور الاتحاد بأنه توجيهي، إذ يوجه الأخير الأندية إلى تأمين اللاعبين ضد الإصابات، بما فيه مصلحة اللاعب والنادي على حد سواء، كأن يتم تعويض اللاعب والنادي مالياً وهذا أمر إيجابي للطرفين. على حدّ قوله.

الاتحاد الأردني قطع أشواطا طويلة في تأمين اللاعبين ضد الإصابات، وفق العياصرة، لكن هناك عوائق كثيرة لاعتماد هذا الأمر في الأردن لاعتبارات عدة، تتعلق بنوعية هذا النوع من التأمين الذي يطلبه الفيفا، مشيراً إلى أن الاتحاد في سبيل الحفاظ على سلامة اللاعبين، فإنه يشترط على الأندية أن يحمل المعالج لديها شهادة التأهيل الرياضي، وأن يحصل على اعتراف الاتحاد الدولي لكرة القدم في التأهيل الرياضي والعلاج، أو يلتحق بدورة من الفيفا والورشات التدريبية التي تعقد كل موسم، وذلك لرعاية اللاعبين بشكل أمثل، وتقديم كل ما يلزمهم من متابعة وعلاج.

ويقدم الاتحاد المساعدة لمن تقطعت بهم السبل من اللاعبين، ويتكفل بعلاجهم ضمن الإمكانيات المتاحة بعد دراسة حالته، أما اللاعب المحترف فتأمينه ضد الإصابات يعد أمراً ملزماً، كما أن لاعبي المنتخبات الوطنية لديهم أفضلية للعلاج من قبل الاتحاد الأردني خارج البلاد، حيث يتكفل الاتحاد بتأمينهم بالعلاج ومتابعتهم طوال رحلة العلاج والاستشفاء، وفق العياصرة الذي يشير إلى أن الاتحاد يعرض لوائح تشترط تأمين اللاعبين ضد الإصابات على الأندية ولاعبيها، لكنها لا تعمم.

وبلغ إجمالي الإيرادات للاتحاد الأردني لكرة القدم عام 2018 12.294 مليون دينار، وإجمالي المصاريف للعام ذاته كانت 12.972 مليون دينار، فيما بلغ عجز الموازنة 678 ألف دينار.

وكشفت الموازنة العامة لعام 2019، تخصيص مبلغ 2 مليون دينار كدعم حكومي للاتحاد، في حين خصصت اللجنة الأولمبية نحو مليون و600 ألف دينار، عدا عن اتفاقية البث مع التلفزيون الأردني، وقد نشر الاتحاد على موقعه الإلكتروني إقراراً لموازنة 2019 دون تسجيل أي عجز إذ تطابقت الإيرادات والنفقات.

وكان رئيس الهيئة التنفيذية لاتحاد كرة القدم الأمير علي بن الحسين، قد أعلن في أيار/مايو 2019عام أن الوقت قد حان لتبدأ الكرة الأردنية مرحلة المراجعة الشاملة، بهدف إعادة ترتيب البيت الداخلي للعبة محلياً، وتشمل إعادة صياغة اللوائح والتعليمات وإعداد لوائح جديدة متكاملة غير متضاربة تسهم في تطوير اللعبة وإيصالها إلى المستوى الذي يتطلع إليه الجميع.

*تم تزويدنا بالصور من قبل اللاعب فرح المكحل
*بعض اللاعبين فضلوا عدم ذكر أسمائهم الحقيقية
نشرت القصة في جريدة الغد*

بدعم من منظمة صحافيون من أجل حقوق الإنسان


أضف تعليق

 

*