أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

عمال بلا حماية اجتماعية.. وانتهاكات بدون شكاوى

الثلاثاء 9 تموز 2019

لينا شنك*
بدا أحمد، الذي يبلغ من العمر 28 عاماً، متفهماً لتحفظات الفتاة التي كان ينوي الارتباط بها، عندما اشترطت أن يكون مشتركاً بالضمان الاجتماعي حتى يتم الارتباط.
حجتها بحسب أحمد أنه “عندما نتقدم في السن، قد أمرض، أو قد يحدث أي شيء مفاجئ فلا أعود قادراً على العمل كما كنت في السابق فسيضيع مصدر دخل العائلة”. حجة منطقية برأيه، ولكنه لا يستطيع أن يطلب الاشتراك بالضمان من صاحب المشغل الذي يعمل به منذ سنتين، لأن أصحاب المشاغل “لديهم بدائل كثيرة، لو طالبت بالضمان ببساطة سيستغنون عن خدماتي”.
وبطبيعة الحال، فإن الاشتراك الاختياري الذي يتحمل كلفته الكاملة العامل غير ممكن بالنسبة لأحمد الذي يتقاضى ما بين 240 إلى 340 ديناراً شهرياً، فيقول “لو قررت اللجوء للاشتراك الاختياري، فلن يتبقى من دخلي شيء”.
بحسب تصريحات الناطق الإعلامي باسم مؤسسة الضمان الاجتماعي موسى الصبيحي، فإن مظلة الضمان الاجتماعي تشمل حالياً 64 % من قوة العمل في المملكة، ويشكل غير الأردنيين ما نسبته 12.5 % من المشتركين بالضمان فقط، بينما يشكل المشتركون وفقاً لنظام الاشتراك الاختياري المتاح للأردنيين حصراً ما نسبته 5 % منهم.
في المقابل، تشير تقديرات المؤسسة إلى وجود أكثر من 220 ألف عامل ممّن ينطبق عليهم قانون الضمان الاجتماعي، ولكنهم ما زالوا خارج مظلته و”معظمهم بسبب التهرب من شمولهم من قبل أصحاب العمل”. ويضيف الصبيحي “قدرت إحدى الدراسات التي قمنا بها التهرب بما يزيد على 14 % من المشتغلين في المملكة تقريباً”.
يشرح الصبيحي أن “المنشآت المايكروية فيها نسبة تهرب عالية جدًا”، وأنه في الوقت الذي كان شمول العاملين في الضمان الاجتماعي إلزامياً للمنشآت التي تشغل خمسة عاملين فأكثر في وقتٍ سابقٍ، فقد أصبح إلزامياً لكل المنشآت بصرف النظر عن عدد المشتغلين فيها وجنسيتهم ابتداءً من عام 2008.
لم يعُد الاشتراك في الضمان اختيارياً، ولكنه كذلك في واقع الكثير من العاملين، ومنهن الثلاثينية سوسن* التي تعمل في شركة حماية في العاصمة عمّان. عندما سُئلت إن كانت ترغب في اقتطاع جزء من راتبها لغايات إشراكها في الضمان، فضلت سوسن عدم الاشتراك، وذلك لأنها كانت مشتركة في الضمان في عملها السابق ولكنها اضطرت لسحب ضمانها السابق عندما مرت بـ”ضائقة مادية”، ولا ترغب في أن تبدأ مشوار الضمان هذا من الصفر مرة أخرى.
تقول سوسن “ابني يعاني من تشوه في القلب منذ ولادته، كنا نذهب لعلاجه في المدينة الطبية، ولكن لم نكن نعتمد عليهم كلياً.. كنا نستدين من هذا وذاك لعلاجه في أي مكان”. بعد أن تراكمت الديون، لم يعُد أحد يساعد سوسن وزوجها، فاضطرت لسحب الضمان الذي بلغت قميته آنذاك 950 ديناراً منذ سنوات قليلة.
تعترف سوسن بأنها خطوة خاطئة، وقد أقدمت عليها 14 ألف أردنية غيرها من أصل 17 ألف أردني حصلوا على ضمانهم دفعة واحدة في العام الفائت وحده بحسب الصبيحي، ولكن “لما يكون في ببالك اشي بتنسي كل هذا الحكي”.
تفكّر اليوم بالاشتراك بالضمان، فهل تضحي بالمبلغ الذي سُيقتطع أم تستفيد منه في نهاية الشهر؟ تجيب سوسن “عندما يخبرونني عن الضمان، مثلاً سنخصم منك مبلغاً، أقول لا، بإمكاني الاستفادة من هالعشرين ثلاثين دينار” ولكن “الضمان يعني اشي مهم”.
من خلال عملها الصحفي، التقت الصحفية العشرينية سماح* أشخاص كثر يشبهون أحمد وسوسن، وكتبت تقريراً عن عدم شمولهم بالضمان الاجتماعي وانتهاك حق أساسي من حقوقهم العمالية، ولكنها هي ذاتها، كاتبة التقرير، غير مشمولة هي وسبعة آخرين من زملائها في الموقع الإخباري الذي تعمل به في الضمان الاجتماعي!
تقول سماح “نحن كصحفيين نطالب بحقوق غيرنا ولا نعرف حقوقنا”، وتضيف بأن لها زملاء آخرين يكتبون هم أيضاً بشكل مستمر عن الانتهاكات بحق غيرهم من العمال، ولا يعون أنهم يمرون بالظروف ذاتها. استخدم صاحب الموقع العديد من الحجج لتبرير تأخير إدخال الموظفين في الضمان، ولكن في آخر اجتماع له مع العاملين في الموقع أقر بصريح العبارة أنه لا يستطيع تحمل كلفة إشراكهم جميعاً بأثر رجعي.
لم تقدم سماح أي شكوى بحقه، فهي من جهة لا ترغب في الاستمرار في عملها هذا، ولكنها تُقر بأن طبيعة العلاقة التي تربطهم بصاحب الموقع تحول دون اتخاذ مثل هذه الخطوة، فتقول بأن “علاقتنا بصاحب الموقع علاقة طيبة جداً وجيدة جداً.. نعامل بعضنا البعض كالعائلة.. ونحتفل بأعياد الميلاد سوياً.. لو اشتكى أحدنا سيكون هناك حساسيات في العمل وهو شخص جيد جداً على المستوى الشخصي”.
في مقالٍ نُشر في صحيفة الغد، اعتبر مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض أن اقتطاعات الضمان الاجتماعي المعمول بها حالياً مرتفعة مقارنة مع الحمايات الاجتماعية التي تقدمها منظومة الضمان الاجتماعي، حيث تبلغ 21.5 % من مجمل الدخل الشهري للعامل.
واعتبر عوض أن هذه الاقتطاعات تسهم في زيادة نسبة البطالة من جهة، بسبب “إحجام آلاف المنشآت في القطاع الخاص عن تشغيل المزيد من العاملين بسبب ارتفاع اقتطاعات الضمان الاجتماعي التي تعد بمثابة “ضريبة اجتماعية” إلى جانب الضرائب الأخرى”، وتؤدي إلى زيادة في “التهرب التأميني” بكافة أشكاله من جهة أخرى.
ويضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الخامسة والعشرين حق الفرد بالحماية التي يوفرها الانضمام لمظلة الضمان الاجتماعي، إذ نص على ما يلي: لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته.
وبحسب تقرير أممي صدر في شهر آذار من العام الجاري، يحصل 68% فقط من الأشخاص في سن التقاعد، على الصعيد العالمي، على شكل من أشكال المعاشات التقاعدية، وتهبط هذه النسبة إلى 20% فقط في كثير من البلدان منخفضة الدخل.
قصور في التفتيش وفي حماية المشتكين
لا أحد ممّن التقينا بهم في هذا التقرير اشتكى بالفعل إلى مؤسسة الضمان الاجتماعي، وكثيرون غيرهم يخافون حتى من الحديث إلى الإعلام حول هذا الانتهاك، الأمر الذي يتفهمه الصبيحي ويعتبره “مشروعاً” في ظل عجز المنظومة الحالية عن حماية العمال.
يقول الصبيحي “ما أراه هو خوف من الشكوى، يجب أن يعزز الإعلام فكرة ألا يخاف أي شخص، يجب ألا يضار أي إنسان لمجرد مطالبته بحقه. الآن كيف سنحمي الأيدي العاملة؟ هل قانون العمل يحميهم؟ هل نحن قادرون على حمايتهم؟ هذا سؤال يُطرح على المسؤولين في الدولة كلها”.
يعترف الصبيحي بأنه “حتى نحن غير قادرين على حمايتهم، نحن نشملهم لكن إذا أنهى خدماتهم لا نتدخل بموضوع إنهاء الخدمات، هذا يدخل ضمن صلاحيات وضمن قانون العمل” ويعتبره غير كافٍ في الوقت الحالي لحماية العمال المطالبين بحقوقهم، الأمر الذي يفسر إحجام البعض عن التقدم بشكوى.
كما يشرح بأن هناك قصوراً في التفتيش، فالمؤسسة “لا تغطي قطاع العمل كاملاً” وقد تحتاج إلى عددٍ أكبر من المفتشين المدربين على التفتيش وإلى التخطيط الأعمق له، بحسب قوله. ويضيف بأن المطلوب لا يقتصر على “تأمين الناس بوظائف، بل نريد أن نضمن استمرارهم في الوظائف، ونريد أن نضمن وجود بيئة مناسبة.. كيف سأحفز الأردني على العمل وأنا غير قادر على توفير بيئة عمل صديقة له؟ يعني من ناحية الأجر المناسب، من ناحية ساعات، عدم الانتهاك، عدم الاستغلال، السلامة والصحة المهنية والتدريب”.
يؤكد الصبيحي لنا أنه “حتى بالقطاع العام هناك تهرب.. خصوصاً عند التوسع في عقود شراء الخدمات. حدث توسع غير عادي ولا يُشمل هؤلاء بالضمان، هذا أنا وجدته في وزارات وجامعات رسمية ومؤسسات رسمية”، ويضيف بأن المؤسسة استطاعت بعد ما يقارب ست إلى سبع سنوات من “النضال المستمر” إدخال بعض هؤلاء الموظفين في المؤسسات الرسمية في الضمان، بينما لا يزال المسؤولون في بعضها الآخر لا يستجيبون لمخاطبات المؤسسة.
بحسب تصريحات الصبيحي، تشير دراسة أجرتها المؤسسة إلى أنه “لولا الدخول التقاعدية من الدخول الجاري لأفراد المجتمع الأردنيين لزادت نسبة الفقر بنسبة 7.7 %”، ويعتبر أن الدولة إن أرادت أن تكسب الثقة بحق، فعليها “عندما تصل شكوى محقة وتوضع في صندوق شكاوى معين، حتى لو كان الكترونياً هذا الصندوق، يجب أن نعلن حالة الطوارئ؟ لماذا اشتكى هذا المواطن؟ عندها نكسب ثقة الناس وغير ذلك فهو عبث”.
إلى حين ضمان الحق في الضمان الاجتماعي، وضمان حماية من يبلغ عن انتهاك هذا الحق، سيظل عمّال كثيرون يفضلون الحديث بأسماء مستعارة حفاظاً على ما تبقى من فرص!
نشرت القصة في جريدة الغد أنقر هنا
*بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR


أضف تعليق

 

*