أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

طلبة سوريون في الدوام المسائي: إرهاق جسدي وساعات قليلة

الأربعاء 27 اذار 2019

ليندا عيد
بعد محاولات عديدة لإيجاد مدرسة تقبل بتسجيل الطالبة السورية رهام محمد بعمر 12 عام في الفترة المسائية، ظهر لها الواقع كما لا ينبغي أن يكون.
“دوام الفترة المسائية، شاق ومرهق” تقول رهام في وصفها للدوام ولا تتذكر أنها داومت وهي نشيطة “الوقت قصيرا لا يكفي لإعطائنا ما نستحقه من العلم عدا عن دوام يوم السبت الإضافي الذي لا يحضره إلا القليل من زميلاتي بسبب الخوف من خلو الشارع من الناس في صباح يوم العطلة الحكومية”.
رهام ليست الطالبة الوحيدة التي تعاني من سلبيات الفترة المسائية، فلقد أنشأت وزارة التربية والعليم 204مدرسة بنظام الفترتين لاستيعاب العدد الإضافي من الطلاب في بداية الأزمة السورية وتسجيل 134،000 طفل لاجئ سوري تقريبا.
تمكنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” خلال السنوات الثلاث الماضية من إعفاء الأطفال السوريين اللاجئين من الوثائق في وقت التسجيل وهو ما أدى إلى زيادة عدد المسجلين إلى 4000 طفل هذا العام.
كانت عملية إصدار الشهادات ومتطلبات تسجيل، بمثابة عائق أمام التحاق الأطفال الأكبر سناً بالمدارس ويصعب على العديد من العائلات التي خرجت من سوريا دون جلب أصول أوراقها أن تستوفي طلبات فرضها بعض مدراء المدارس، بأن يجلب الأطفال شهادات المدارس السورية الرسمية التي تثبت إتمامهم للفصل الدراسي السابق.
بحسب تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش عام 2016 حوالي 40% من الأطفال السوريين اللاجئين في الأردن يفتقرون لشهادات الميلاد، وهي مطلوبة لاستصدار وثائق الخدمة.
شبح ترك المدرسة يطارد الطلبة السوريين
في 24 أيار 1991 قبل 27 عاما تحديداً، صادق الأردن على اتفاقية حقوق الطفل, والتي تعتبر إحدى ابرز الخطوات التي تسعى الأردن من خلالها لتحقيق أقصى معدلات الحصانة لدى الطفل في شتى المجالات.
المادة 28 من الاتفاقية، تؤكد أهمية إعتراف الدول الأطراف بحق الطفل في التعليم، وﺗﺤﻘﻴﻘﺎ ﻟﻺﻋﻤﺎل اﻟﻜﺎﻣﻞ ﻟﻬﺬا اﻟﺤﻖ تدريجيا “ﻋﻠﻰ أﺳﺎس تكافؤ اﻟﻔﺮص” والتي وضحت في احدى بنودها بوجوب اﺗﺨﺎذ تدابير ﻟﺘﺸﺠﻴﻊ اﻟﺤﻀﻮر المنتظم ﻓﻲ اﻟﻤدراس واﻟﺘﻘﻠﻴﻞ ﻣﻦ ﻣﻌدلات ﺗﺮك اﻟدراﺳﺔ.
رغم الجهود المبذولة، فما زال شبح ترك الدراسة يطارد كثير من الطلبة، تقول رهام “اغلب المعلمات لا يعطينا حقنا في الحصص و عند مناقشتنا لأي امر يتم معاقبتنا وهذا ما يدفعني في بعض الأحيان الى ترك دراستي و لكن هدفي وإصراري هما اللذان دفعاني للإستمرار، لا انسى تعامل بعض المعلمات بفوقية”.
رهف يوسف 13 عاماً، تركت المدرسة منذ شهر ونصف، بسبب تعرضها للتحرش والتنمر، تتحدث لنا عن ما تراه من فوضى في مدرستها، وحيث أنها تعرضت للتحرش عدة مرات، وهذا ما دفعها إلى ترك المدرسة لمدة فصل كامل وعندما عادت مرة أخرى تعرضت لذات المشاكل والذي كان الحلقة الأخيرة لدوامها في المدرسة بسبب خوفها وخوف والدتها عليها.
يعد التحرش وسوء المعاملة اسباب قد تدفع بعض الطلبة للتفكير بترك المدرسة لكنها ليست الأسباب الوحيد، يشير الأخصائي التربوي النفسي موسى المطارنة إلى أن “الطفل السوري قد يعاني من وضع اقتصادي صعب وبالتالي يجد بأن الاولوية للعمل وليس الدراسة”.
فالحرب في سورية، وما خلفته من تهجير واضرار في الطفل السوري، الذي ربما يشكل التعليم لدى بعضهم دافعا للتعلم، عدا على أنه من الممكن أن تكون المدرسة بأنظمتها غير محفزة للطفل أو بسبب وجود الطفل في بيئة وثقافة مختلفة، كما يقول المطارنة.
بحسب دراسة اعدتها اليونيسف عام 2018 فإن 38% من الأطفال غير ملتحقين أو انقطعوا عن المدارس، لأسباب تتعلق ببعد المسافة والتكلفة والافتقار إلى أماكن لهم للإلتحاق بالمدارس وتعرضهم للتنمر.
فترة اللعب اصبحت في المدرسة
بموازة الحق في التعلم، تظهر حاجة الطلبة لتفريغ طاقاتهم واللعب بحكم الفترة العمرية التي يعيشون فيها، إلا أن دوامهم المسائي يجعل الأولوية للتعليم عائق امام اللعب وهذا الذي يصعب على الطفل التماشي معه.
تقول سناء (اسم مستعار) وهي احدى المعلمات في الفترة المسائية بأنه: “اذا احتاجت لضبط الطلاب فان تهديدهم بالحرمان من حصة الرياضة هو فقط ما يلقى نتيجة معهم”، فيلجأ الطفل نتيجة تضارب الحاجة للعب والحق في التعليم لتفريغ طاقته في المدرسة وهذا ما أشارت اليها سناء، كذلك:”أن الطلاب يأتون للمدرسة بنشاط زائد لدرجة عدم قدرتنا على ضبط الطابور الصباحي.”
وفي حال وضع الطالب الدراسة صوب عينيه فأن الوقت لا زال عائقا امام تنظيم يومه ووقته، تقول سمية الجبان وهي ام لطالبة بالفترة المسائية: “مدرسة ابنتي رائعة، وهي متفوقة في دراستها الا أنني احزن عندما اراها تسهر لساعات طويلة من أجل أن تدرس جيدا”. وفي ذات الشأن، تقول انوار محمد وهي شقيقة لطالبة انتقلت من الفترة المسائية للفترة الصباحية:”استطاعت اختي ان تنظم وقتها اكثر عندما انتقلت للفترة الصباحية واصبحت تدرس بشكل أفضل”.
لكن الاخصائي المطارنة، يرى بأن الفترة المسائية غير مناسبة للطفل لأسباب عدة، منها إنخفاض دافعيته للتعليم وقت الظهيرة، عدا على أن الفترة المسائية بالعادة هي فترة للراحة، للأكل، واللعب لذلك لا يجد الطفل في نفسه الرغبة للتعلم، اضافة الى ما يصاحب ذلك من الروتينية في العملية التعليمية ووضعه في حالة من الانسحاب وتقلل من فرصه في التحصيل العلمي وتسبب له في حالات كثيرة الاحباط”.
اعمار متفاوتة في الصف الواحد
خلفت الحرب السورية اضرارا حصدها السوريين بمختلف الأعمار لكنها طالت بالضرورة الأطفال بشكل خاص، بحسب إحصائيات لليونيسف عام 2017 فانه أكثر من 5.6 ملايين شخص، بمن فيهم 2.7 مليون طفل، يعيشون كلاجئين مسجلين في مصر والعراق والأردن ولبنان وتركيا منذ بدء النزاع وهناك هناك أكثر من مليوني طفل في سن الدراسة غير ملتحقين بالمدارس.
فمنهم من لم يجد فرصة للتعليم على اثر اصابته بضرر منعه من الاستمرار ورفض المدارس له وهذا ما حدث مع علاء الذي اصيب بشحنات زائدة في الدماغ اثر الحرب وهو الآن محروم من التعليم منذ 6 سنوات.
تقول شقيقته أنوار” لقد ذهبنا للعديد من المدارس لتسجيله ولكنهم رفضوه خوفا من ان يسبب تشويش على الطلبة الآخرين ورغم شرحنا لحالته الصحية بأنه لا يعاني من أي نوبات صرع ولن يسبب أي تشويش وبعدها توجهنا للمدارس الخاصة وطلبت منا مبالغ باهظة لا نستطيع تغطيتها”.
بعض الأطفال السوريين، فقدوا سنوات دراسية بحكم الحرب، فالتحق بعضهم بصفوف دراسية أقل سنة فسببت له رد فعل عكسي أمام أي سلوك من معلم أو الطلبة وهذا له إنعكاس على التحصيل الدراسي.
يقول مصعب هديب مدرس علوم في الفترة المسائية، أنه لا يحبذ أي طالب أكبر من زملائه في الصف ان يتحدث معه أستاذ او يسأله سؤال عن المادة بحكم انه اكبر من زملائه ونجد لديه رد فعل اتجاه زميله اذا جلس بجانبه ويبقى منعزلا الى حد ما.
تقول الأم سمية ” يوجد في صف ابنتي طالبات اكبر منها بسنتين وتلاتة، تقول لي بانها تشعر بأن حديثهم وعقلهم مختلف عن باقي الصف لذلك تفضل أن تتجنبهم”.
وجود الاعمار المتفاوتة في الصف الواحد يعتبر امر غير صحي، لأن لكل مرحلة عمرية خصائصها ولكل مرحلة متطلباتها وبالتالي يمكن أن تنتج سلوكيات غير صحيحة منها الاستغلال, التحرش, التنمر, وتسبب للطفل حالة نفسية غير مستقرة وعدم القدرة على التفاعل السليم داخل الصف، هذا ما يراه الأخصائي المطارنة.
ومن الجانب الآخر، هناك نظام بوزارة التربية والتعليم يُعرف بمسمى “قاعدة الثلاث سنوات” يمنع أي طفل أردني أو سوري يتجاوز عمر أقرانه في الصف الدراسي المنشود بثلاث سنوات من الالتحاق بالمدارس الرسمية للحفاظ على جودة التعليم.
وهو من ِشأنه استبعاد اعداد كبيرة من الأطفال السوريين من التعليم الرسمي بالضرورة بحكم الحرب وما خلفته من تدمير للمدارس السورية.
لمعالجة ذلك، قامت وزارة التربية والتعليم بتكثيف الجهود الجماعية حيث وفرت التعليم غير الرسمي ل29.247 طفلا سوريا غير ملتحقين بالمدرسة بحلول عام 2018.
تأثرت جودة التعليم سلبا بسبب الاكتظاظ في الصفوف وبيئات التعليم الضعيفة والمعلمين غير المدربين بشكل كاف ووقت الحصص الضيق في المدارس ذات الفترتين، عدا عن حاجة المدارس للصيانة والتجهيزات التي تتجاوز التمويل المتاح، هذا ما اشارت له “اليونيسف” بتقرير لها عام 2018.
وفقا للبيانات الصادرة عن وزارة التربية والتعليم، فثمة ارتفع في عدد الأطفال السوريين اللاجئين الملتحقين في المدارس، حيث وصل عددهم إلى 130.668 طفل في العام 2017/2018.
بلغ معدل الالتحاق الاجمالي في الصفوف الأساسية 66% أما في الصفوف الثانوية 24% وعلى الرغم من زيادة الالتحاق في التعليم الرسمي، إلا أنه لا يزال هناك عدد كبير من الأطفال غير ملتحقين بالمدرسة والذين قدر عددهم نحو 73.137 طفل لاجئ سوري.

نشر التقرير في جريدة الغد بعنوان: 134 ألف طفل سوري بالمدارس الحكومية

*بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR


أضف تعليق

 

*