أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

تكييف قضائي لجرائم الإتجار بالبشر وسط ضحايا مغيّبون

الأحد 24 اذار 2019

*عهود محسن
تتباين الأحكام القضائية بين قضايا عاملات مهاجرات تم الإبلاغ ُ عن شبهات إتجار بالبشر للجهات القضائية المختصة لبلد شرّع قانون منع الإتجار بالبشر عام 2009.
سارة ومادو وفاطمة، أسماءٌ مستعارة لعاملات منازل تتشابه قصصهن رغم اختلاف سنوات معاناتهن والتي تراوحت ما بين 4 إلى 22 عاماً من عملهن الجبري في الأردن وسط ظروف عمل قاسية من حرمان من الإجازات والإتصال وعدم حصول على أجور لمدد زمنية طويلة.
بقيت سارة رهينة العمل الجبري لتسع سنوات في منزل كفيلها، “كنتُ أنام على البرندة في ليالي الشتاء القاسية، أعاني من البرد وكل تفكيري في شروق الشمس وإعادة الكرة بالعودة مجدداً لما عانيته في الأمس”.
كيُفت قضية سارة من قبل وحدة الإتجار بالبشر بقضية “إتجار بالبشر” وتم التعامل معها من خلال أحكام قانون منع الإتجار بالبشر رقم (9) لتكون حالة من ضمن عشرات تشابهت في الإنتهاكات واختلفت حقوقهن من وجهة نظر القانون وأعوانه.
العاملات فاطمة ومادو، وعلى الرغم من تشابهة ظروف عملهن مع (سارة) إلا أن التكييف القضائي وقف حائطاً للصّد بينهما وبين تحصيل حقوقهما والتعويض عن جرائم “الإتجار بالبشر” اللتان وقعتا ضحية لهما لتتحول قضاياهما لقضايا عمالية وحجز وثيقة سفر.
بحسب إفادتهما أمام الإدعاء العام، فقد قدمت فاطمة إلى الأردن قبل ٢٢ عاما، كعاملة منزل إلا أنها فوجئت بأن المهام التي اسندت لها أكثر بكثير مما تضمنه عقدها. “كنت أعتني بأطفال وكبار سن إلى جانب عملي لدى إبنة صاحب العمل دون أجور أو إجازات طوال فترة تواجدي”.
“تعرضت لمعاملة قاسية، وحرمت من أبسط حقوقي فلا وقت للراحة أو النزهة أو حتى التعامل الجيد من صاحب العمل مما جعلني تحت ضغط نفسي كبير للغاية طوال تلك الفترة”، تقول فاطمة.
لا تختلف تفاصيل قصة العاملة “مادو” عن مثيلاتها من العاملات، فقد عانت ظروف عمل سيئة، وتروي لمعدة التقرير بعضا مما مرت به، “كنت أجبر على العمل في عدة منازل بتوجيه من صاحب العمل الذي كان يرسلني للعمل إلى منزل آخر، وعملت لمدة 4 سنوات دون أجور أو إجازات، أو تصاريح عمل أو إقامة بعد حجز جواز سفري من قبله”.
يعرف قانون منع الإتجار بالبشر والمنشور بعدد الجريدة الرسمية رقم 4952 في مادته الثالثة ” الإتجار بالبشر”، بأنه، “إستقطاب أشخاص أو نقلهم أو إيوائهم أو استقبالهم بغرض استغلالهم عن طريق التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة ضعف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على هؤلاء الأشخاص أو استقطاب أو نقل أو إيواء أو استقبال من هم دون الثامنة عشرة متى كان ذلك بغرض استغلالهم ولو لم يقترن هذا الاستغلال بالتهديد بالقوة أو استعمالها”.


معيقات إنفاذ القانون
إنصاف الضحايا غاية يصعب إدراكها؛ فغياب آليات ميسّرة ومشجعة لوصول الضحايا إلى الجهات المختصة وتقديم الشكوى أو إقامة الدعوى تؤثر على كثير من العمال الذين يحجمون عن تقديمها لعدم معرفتهم بالجهات والكيفية التي تقدم فيها، وأحيانا لعدم الثقة بفعالية إجراءاتها وخوفا من ردة فعل الجاني، خاصة في ظل عدم وجود أحكام تشريعية تحدد بوضوح الإجراءات الواجب اتخاذها من السلطات المختصة للتعرف على الضحايا بسرعة ودقة.
فيما يبقى “تسفير الضحايا” واحداً من معيقات التي تعترض العمال الذين يقيمون الدعوى نتيجة إلغاء تصاريح عملهم وإقامتهم. وعدم وجود نص يلزم تعويضا عادلا ومنصفاً لضحايا جريمة الإتجار بالبشر يؤثر على فرص لجوء الضحية إلى التقاضي لتحصيل حقوقها.
ترك المشرع الأمر للقواعد العامة وفق أحكام أصول المحاكمات الجزائية الذي يتطلب من المتضرر الإدعاء بالحق الشخصي للمطالبة بالتعويض وما يتطلبه ذلك من إجراءات وبينات على ما يتفق عليه متخصصون بالملف الإتجار بالبشر.
من ناحيته، يجد الخبير القانوني عادل سقف الحيط أن القصور التشريعي هو الأساس في حالة اللبس التي يشهدها التكييف القضائي لشبهات الإتجار بالبشر المحولة للجهات القضائية، فالأساس في التجريم وضوح النص لأن القاعدة الجزائية لا يقُاس عليها، وإن أراد المشرع تجريم فعل حدده فوفقاً للقاعدة القانونية “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”.
يضيف أن المدعي العام والقاضي جهتان تنفيذيتان للنصوص التشريعية والأصل أن لا يكون هناك اجتهادات فالقاعدة القانونية تقول”لا اجتهاد في موطن لنص”، كما ينبغي أن يكون هناك غرف ونيابات خاصة للنظر في شبهات الاتجار بالبشر، فالتخصص من يساعد على سلامة الإجراءات.
معضلات من نوع آخر
إختلاف التكييف القانوني لقضايا الإتجار بالبشر على الرغم من وجود ظروف متشابهة وربما متطابقة لعمل الضحايا يشكل معضلة لأسباب عدة من بينها القانون الذي أثيرت حوله العديد من التحفظات، مروراً بغموض التعريفات لجرائم الإتجار بالبشر وإطلاقها دون محددات أو ضوابط تساعد في فهمها وتسهيل شرحها وتطبيقها على الحالات الواردة أو المبلغ عنها وعدم تطابقها مع الواقع الأردني مما يخلق فجوة بين التشريع و التطبيق.
إضافة لعدم وجود فصل بين المصطلحات الخاصة بشبهة الإتجار بالبشر وغيرها من الجرائم انتهاءً بحصرها بأوصاف محددة تقلل من شمولية الجرائم الخاضعة للملاحقة القانونية، وضعف أدوات توفير حماية للضحايا، وفقاً لمفوض الحماية في المركز الوطني لحقوق الإنسان، عاطف المجالي.
يتفق سقف الحيط مع ما ذهبا إليه المجالي، ويقول أن تحديد الجريمة وعقوبتها ووصف الأفعال الجرمية بشكل دقيق ومحدد يساعد في الحد من الإفلات من العقوبة وحماية الضحايا والتشاركية في محاربة الإتجار بالبشر.
إن إغفال تعريف المصطلحات المرتبطة بجريمة الإتجار بالبشر وعدم الإتفاق على دلالاتها القانونية يبقيها رهن الإختلاف في تكييف القضايا ويضيع حقوق الضحايا.
كما أن حصر نماذج هذة الجريمة بالعمل الجبري وعمل الأطفال وبيع الأعضاء والعمل في الدعارة، وإغفال التسول وتزويج القاصرات أسهم في قصور الأداء القانوني وعدم القدرة على تفعيل نصوصة بالشكل المطلوب بحسبهم.
إغفال تدابير حماية الشهود والضحايا بشكل خاص، وعدم شمول استخدام الأطفال في إنتاج المواد الإباحية، جعل القانون قاصراً في بعض أوجهه عن بروتوكول منع وقمع الإتجار بالأشخاص،إضافةً إلى أن قوانين العمل، والعقوبات، والإقامة والأجانب لا تتوافق وقانون مكافحة الإتجار بالبشر وتحتاج للتعديل.
الإفتقار للثقافة القانونية
تتسائل مديرة مركز تمكين للدعم والمساندة لندا الكلش، عن آليات التكييف للقضايا، وهو ما يمكن إجمال أسبابه بعدم دراية المدعين العامين ولا القضاة بتطبيقات القانون وسياقه، وعدم وضوح المصطلحات القانونية وقلة خبرة متلقي الشكاوى بطبيعة قضايا الإتجار في البشر، لتكون النتيجة الإفلات مـن العقـاب الـرادع.
عـدم تـوفير الحمايـة اللازمـة أو المناسـبة للضحايا “الناجين” ، وعدم حصولهم على التعويض المناسب، وغياب التشاركية في أإنفاذ الأحكام القضائية في حال صدورها، وفق الكلش.
غير أن الإفتقار للثقافة القانونية حول شبهة الإتجار بالبشر، واحدة من المشكلات الجوهرية، كما يعتقد المجالي، فضلا عن ضعف القدرات التحقيقية المتخصصة بهذه القضايا وطول أمد التقاضي وضعف الرقابة والتوعية بها بدءاً من المراكز الحدودية وانتهاءً بمراكز التوقيف والتحقيق يسهم في تقلص نسب القضايا المكيفة.
يبقى وصف الأفعال المحُالة عاملاً أساسياً، على سبيل تصنيف كثير من القضايا وفق أحكام قانون العمل ما يعني “انتهاكات عمالية” وهو ما يشير إليه الأمين العام السابق لوزارة العمل المحامي حمادة أبو نجمة.
إلى ذلك، يؤكد المحامي سقف الحيط أن عاملات المنازل هم الفئة الأكثر عرضة لهذة الجريمة، ما يوجب على الدولة إيجاد حلول كأن تعهد للسلطة التنفيذية بمتابعة ظروف عملهم داخل المنازل، داعياً لإنشاء مكاتب للباحثين الإجتماعيين من الجنسين، ليعهد لهم في مراحل متقدمة بسلطة الضابطة العدلية.
تتلقى وحدة مكافحة الإتجار بالبشر التابعة لمديرية الأمن العام ما تسمى “إخبارات” حول ما تراه منظمات مجتمع مدني بشبهة إتجار بالبشر وبدورها تقوم الوحدة بالتحقق منها ثم تحويلها إلى القضاء، هذه الآلية وكيفية دراستها، كانت معدة التقرير حاولت التواصل مع الوحدة التي أعتذرت الأخيرة لأكثر من مرة من التفاعل.
يظھر تقریر صدر عن مكتب التنسیق الحكومي لحقوق الإنسان، ما تراه الدولة من إمكانية مراجعة قانون منع الاتجار بالبشر، وإرسال القانون المعدل لرئاسة الوزراء، إضافة لإفتتاح دار ”كرامة“ لحمایة ضحایا الاتجار.

تعديلات قانونية
كان تقرير وزارة الخارجية الأميركي لقياس حالة الدول في مكافحة الجريمة للعام 2018، قد طالب برفع مستوى تدریب المسؤولین عن إنفاذ القانون، كمسؤولي السجون ومفتشي العمل، وتخصیص تمویل كاف لتشغیل مأوى الإتجار في الحكومة، وتدریب موظفي المأوى على تحدید وتوفیر الرعایة المتخصصة للضحایا. يوصي التقرير بإدخال جملة من الضمانات لتكون الدولة جاهزة للتعامل مع ضحايا العنف الجريمة العابرة للوطنية، ومن بينها ضمان “الملاحقة القضائية” و”ضرورة إﻧﺸﺎءﺻﻨدوق تعويض اﻟﻀﺤﺎﻳﺎ”.
وزير العدل باسم التلهوني، وافق مؤخرا على مشروع قانون معدل لقانون منع الاتجار بالبشر لسنة 2019، المتضمن تغليظا للعقوبات على مرتكبي جرائم الاتّجار بالبشر، بما يحقّق الردع العام والخاص.
ينص مشروع القانون على تقديم الحماية للمجني عليهم والمتضررين من تلك الجرائم، وينشأ في وزارة العدل صندوق يسمّى صندوق مساعدة ضحايا الاتّجار بالبشر، يتولى تقديم المساعدات اللازمة للمجني عليهم والمتضرّرين من الجرائم التي نصّ عليها القانون.
تبقى الجهود مرهونة بضمان عدم تسفير الضحايا وضمان متابعتها لمجريات قضاياها، غير ذلك ستبقى قضاياها ملفات لأصحاب غائبون أو مغيّبون قسراً.
*بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR


أضف تعليق

 

*