أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

في زوايا معتمة مستعبدون برداءٍ أبيض

الأحد 17 اذار 2019

* شفاء القضاة
أكثر من عشر سنواتٍ يُفرَضُ على الطبيب إتمامها للاعتراف بهِ كأخصائي، إذ يبدأ طريقه بسنواتهِ الست، تليهنَ سنةُ امتيازٍ للحصولِ على رخصةِ مزاولةِ المهنةِ الطبيّة ووصف “طبيبٍ عام”، ويسعى نحو حلمه بسنواتِ الاختصاص المعروفةِ بالإقامة والتي تتطلب امتحانًا نهاية كل سنة لاجتيازها.
أعدادٌ من الأطباء الموزعينَ بينَ المشافي الخاصة ضمن برامج الإقامة، رفضت نقابتهم إطلاعنا على العدد بالتحديد، التقينا بعضهم للحديث عن تجاربهم وما يمرون به.

100 ساعة في الأسبوع
لم يكن الطبيب عماد يدري بأن قبوله بأجر 400 دينار سيكون غير منصفٍ له، إذ كان يعمل من 60 – 80 ساعةً أُسبوعيًّا، وتصل في أوقاتٍ كثيرةٍ إلى 100، بالإضافةِ للكلف الماديّة الملقاةِ على عاتقه سنويًا؛ لهيئة “البورد” المعتمدة لدى المستشفى، بالإضافة لبدل أوراق، وبدل امتحانات، ورسوم النقابة، كذلك المستلزمات الطبيّة، “بالعربي بطلع كل شهر ملحوق”.
المقيم بلا مُسمىً مهنيٍّ يعترف به، واقعٌ مرَّ به عماد الذي تنقل بينَ 3 مستشفيات، يروي لنا المترتب على واقعه بقوله “لا وصف وظيفي، بالتالي يتم استخدامي من قِبل المستشفى كعبد، لدينا تعريف عام في نقابة الأطباء كطبيبٍ عام في مرحلة تدريبيّة، وبعد نهاية المرحلة أصبح مؤهل للتقديم للبورد لأسمى أخصائي، خلال هذه الفترة لا مسمى وظيفي لي، صفتي طبيب عام”.
شتائم كثيرةٌ يسمعها المقيمون ويحاولون تجاهلها من قِبل الأخصائيين المسؤولين عن تدريبهم، “أنت حمار”، “لا تتفلسف”، “لماذا درست طب؟”، يستذكر ما سمعه ” يتعمدون إذلال المقيمين بينهم أو أمام الناس، غالبًا هناك نسبة لا يستهان بها من الأخصائين يحاولون كسر المقيم، إذا اعترضت أو حاولت فعل شيء أقلها يقولون لك (مش عاجبك، اطلع)”.
يتوجَبُ على المقيم عدم مُجادلة الأخصائي أو مناقشته، حتى لو كان ما يقوم به خاطئ؛ بصفته محكومًا من قِبله “لا يمكنني بقانون المستشفى فعل أي شيء”، يُحبُ كثيرٌ من الأخصائين فرض سيطرتهم على المقيمين، ابتداءً بالإهانات، مرورًا بالتهديد المادي، وانتهاءً بالتهديد بالإقامة وهو “ما يكسر جناحك (كويس إني نجحتك ولا كان المفروض ترسب)، إذا رسبت مرة تعيد السنة، وإذا رسبت مرتين تفصل من الإقامة”.
يتساءَلُ عماد عن السبب في إهمالهم، ولمَ يمكن لبعض المشافي الخاصة عدم قبول أي مقيمٍ في سنواتٍ معيّنة؛ مما يزيد الأعباء على مقيمي المستشفى، في حين يعملُ آخرون بلا أجور ولا عقود مما يجعلهم غير موجودين “بأي وقت يمكنهم أن يتصلوا بك ويخبروك لا تأتي غدًا”.
لا إجازات
15 مناوبةً شهريةً تقبع لاستقبال المقيمينَ في سنواتهم الأولى، يشرحها الطبيب سمير بقوله “يبدأ عملي 8 صباحًا اليوم، وينتهي 4 مساءً من اليوم التالي، أعمل 32 ساعة متواصلة، أما الأخصائيون فمناوبتهم 24 ساعة يحصلون بعدها على عطلةٍ ليومين أو ثلاثة” ، عدد المناوبات يعني عدم وجود يوم عادي، فضمن كل 48 ساعة هناك 32 ساعة داخل المستشفى و 16 خارجه، بالإضافة إلى دوام يوم السبت.
وعلى الرغم من رفض الأطباء لنظام المناوبات بهذا الشكل إلا أن توقيعهم على أوراقٍ تلزمهم الالتزام بساعات الدوام بما يتناسب مع متطلبات العمل يرغمهم على الرضوخ، وعبثًا باءت اعتراضاتهم بالفشل، إذ كانت تضرب بمطالباتهم عرض الحائط، بحسب الدكتور، الذي يستذكر ردَّ الأخصائين على احتجاجاتهم “لا أحد يستمع لنا، يخبرونك ببساطة (مش عاجبك اطلع، هيك الإقامة)”.
يومُ عطلةٍ أُسبوعيٌّ يتيمٌ يحصلُ عليه المقيمون، ويفقدونه إذا ما صادف مناوباتهم، “لدينا 18 يوم إجازة وأول 3 سنوات لم أتمكن من أخذها، قالها رئيس القسم بوضوحٍ شديد أن من الممنوع الحصول على الإجازات”، وفي الوقت نفسه “يحصل الأخصائيون على 8 مناوبات، وهذه المناوبات بالأيام التي يعمل فيها بالمستشفى، إذ يأتي ليستلم 24 ساعة من 8صباحًا – 8 صباحًا في اليوم التالي، وبعد ذَلك يغيب لثلاثة أيام ويعود في اليوم الرابع ليستلم مناوبته”.
يبدي الطبيب استياءه من أن أي خطأ يقع على المريض يتم لوم المقيم، رغم كونه في أحيانٍ كثيرةٍ بسبب الأخصائي، الذي يعد المسؤول “من الممكن أن يتم إقحامنا بقضايا ليس لنا علاقة بها، هناك عملية قام بها أخصائي لمريض، ورفعت قضيّة على الأخصائي والمقيم الموجود جراء تطورات حدثت للمريض بعد العمليّة، من المفترض أن لا تتم محاسبة المقيم، ليسَ لنا أي قرار داخل غرفة العمليات، وظيفتي أن أنظر وأتعلم، وإن حدث خطأ يتم شملي مع الأخصائي بالقضية”.
“لساتك موجود”
الطبيب ليث أنهى إقامته قبل ثمانيّة أشهر، يقول إن من أسوأ الكلمات التي سمعها من المرضى أو مرافقيهم “دكتور لساتك هون؟”، إذ تتم رؤيته بنفس الملابس والحالة ليومٍ ونصف، ليعيده السؤال العفوي لاستفسارٍ بديهيٍ يطرحه على نفسه”أنا حقًا موجود؟!”
يتابع الطبيب “سنوات الإقامة مأساة، لا يوجد حياة اجتماعيّة، ولا نرى الأهل، وأحيانًا لا نحتفل بالأعياد، ولا وجود لعطل نهاية الأسبوع، كان الأمر جدًا صعب، وبعد الإقامة لا وجود لفرص العمل، وحتى إذا حصلت على واحدة فلن يكون كما توقعتها”.
بدأ الطبيب ليث إقامته بـ10 مناوبات، بيد أنها تختلف من قسمٍ لآخر ومن سنةٍ لأخرى، في حين كان يصل الأجر إلى 500 دينار بالحد الأعلى، “كنت أذهب من الساعة السابعة صباحًا حتى الرابعة مساءً من اليوم الثاني، وأحيانًا أبقى للساعة السادسة أو السابعة مساءً، لو عملت في المشفى 24 ساعة لكل الأسبوع لن تحصل على أي زيادة في مرتبك”.
“فصلوني”
ينتقد الدكتور أحمد عدم تنظيم عمل المقيمين، مما يوقعهم بالمشاكل، واجه إحداها حين عمل في الطوارئ، إذ قام بتحويل أحد المرضى لطبيبٍ آخر؛ لعلمه أن رئيس القسم لا يريد التعامل مع الحالات المشابهة للمريض، فاتُهِمَ أحمد بأنه أراد الحصول على النقود من الطبيب الذي حوَّل المريض إليه، وقاموا بفصله وحين راجعهم ألغوا القرار.
يروي ما حدث معه بقوله “قاموا باستدعائي للجنة تحقيق، ورئيس قسمي لم يكن يعرف، الموارد البشريّة قاموا بإنهاء خدماتي، وتحدثت مع مسؤولي المباشر وتعدل القرار وأعادوا تعيني، ونسوني لشهرٍ كامل، بعدَ شهرٍ من انقطاع راتبي راجعتهم فأخبروني “أنت بالنسبةِ لنا مفصول، لم نعرف أنك عدت للعمل” وأعادوني إلا أنهم أرسلوا للضمان بأنني مفصول، ولجميع الجهات، لم يكن هناك ترتيب، ناوبت 12 مرة وعملت بشكل طبيعي لشهرٍ كامل، بدون أجرٍ أو تعويض”.
على طاولة الجهات المعنيّة
يؤكد نقيب الأطباء الدكتور علي العبوس وجود الوصف الوظيفي للمقيم، بصفته طبيبًا متدربًا ويعمل تحت غطاء الطبيب الأخصائي، ويلام المقيم في حال دخل للعمليّة على سبيل المثال ووجدها صعبة ولم يطلب الاستشارة، أما إذا طلب يغطيه الأخصائي، بيد أن معاملة الأخصائين للمقيمين أمر إداري بين المقيم وإدارة المستشفى.
ويشير العبوس إلى أن تحديد عدد المناوبات، والعطل أمورٌ إداريّة، إلا أن 100 ساعةٍ للعمل تعد كثيرة، موضحًا أن متابعة التدريب، والعمليات والمرضى وأنواعهم، من مهمة المجلس الطبي بالتعاون والاشتراك مع المشرف الفني بالمستشفى، “يجب أن يكون في كل مستشفى قسم اسمه الإشراف أو التدريب الفني لمتابعة برنامج الإقامة وضمان كونه وفق الأصول”.
لا تتدخل النقابة بالتدريب إذ تتم معاملة المقيمين كأطباء مُسجلين، وفي الوقت نفسه فإن تصنيفات النقابة مقسمةٌ بين طبيبٍ عام، واختصاصي، ومستشار، ولا وجود للطبيب المقيم بصفته متدرب، كما يقول النقيب العبوس، مما يجعل النقابة تمتنع عن استقبال شكواهم إلا أنه إذا اشتكى كطبيب، تصبح قضائيّة “يمكنه الشكوى على البرنامج التدريبي لكن للمجلس الطبي”.
من جانبه، يوضح الأمين العام للمجلس الطبي الأردني الدكتور هايل عبيدات عدم تلقيهم لأي شكوىً من المقيمين خلال شهر، وهي الفترة التي تسلم بها منصبه، منوهًا إلى أن “رقابتنا تدخل بمسألة الالتزام بالبرنامج الفني، التدريب العملي والمحاضرات، إلا أن اختصاصنا لا يدخل بمسألة التعاقدات بين المستشفى والطبيب وساعات العمل؛ لأن هذا يعود لنقابة الأطباء أولًا، ولوزارة العمل ثانيًا”.
ويضيف عبيدات بأن المجلس يحدد عدد المقيمين المقبولين في كل قسم، بناءً على عدد الأسرة في المستشفى وسعته وعدد الأخصائين والاستشاريين، بالإضافة لمتابعتهم البرنامج التعليمي، و “لا نتابع المناوبات، كنتُ مُقيم وأناوب يومًا بعد يوم، هذه حاجة مستشفى وحاجة إقامة، حين يكون عدد المقيمين 4 يجب أن يناوبوا بعدد معين من المرات، لا يمكن زيادة أعدادهم لأن هذا يتعلق بسعة المستشفى”، مشددًا على أن هناك برنامجًا فنيًا يجب أن يحترم الطبيب ومصالحه وينسجم مع قانون العمل والعمال.
حاولت معدة التقرير الحصول على أعدادٍ واضحةٍ للمقيمين، والمشافي الخاصة من المجلس الطبي بصفته المعنيَّ بهم، بيدَّ أن الأمين العام طلب إرسال الأسئلة عبر تطبيق”الواتساب”؛ ليردَ عليها بإجاباتٍ غير كافيّة، وبعد محاولات عديدة مع المجلس الذي كان يطلب في كل مرة كتاب رسمي أو تواصل على البريد الإلكتروني حتى تمكنت من الحصول على الأرقام المطلوبة.

الناطق باسم وزارة العمل، محمد الخطيب، يلفت إلى معاناة الأطباء إلا أنه لم تصل شكوى للوزارة “لازم أرجع أشوف مدير التفتيش”، ويوكد أن ” قانون العمل ينطبق على كل عامل إلا أن الطبيب مهنة، لكن يجب أن يكون لديهم قانون بالنقابة، ماذا تقول نقابتهم بهذا الموضوع؟ هي التي تحدد الأجور”.
ويستدرك الخطيب بأن عمل الوزارة يقع ضمن نطاق التأخر بما يتعلق بساعات العمل والتأخر بالأجور، ووعد بمراجعة المستشار القانوني، إلا أنه توقف عن الإجابة على هاتفه واستفساراتنا بعد ذلك.
لم يختلف كلام رئيس جمعيّة المستشفيات الخاصة فوزي الحموري عن سابقيه إذ يشدد على عدم ورود أي شكوى للجمعيّة؛ فالعقد شريعة المتعاقدين، “يأتيني الطبيب وأنا أقوم بتدريبه وأجعل منهُ أخصائي، هذا العقد يشترط أن يكمل مدته أي فترة الاختصاص 5 سنين، ويأخذ فرصة غيره؛ لأن البرنامج عليه تنافس شديد، ويتفق المستشفى مع الطبيب إذا لم يلتزم في العقد عليه شرط جزائي 2000 دينار، ولو قام المشفى بطرده فله تعويض منه ويأخذ قيمة العقد، ليس من الضروري أن يكتب في العقد”.
ويؤكد الحموري أن الإشارة لعدم خضوع العقد لقانون العمل غير قانوني ” بيننا وبين المقيمين عقد وقانون العمل، لا نتدخل فيهم هم يعتبرون موظفين تحت التدريب، وزارة الصحة والمجلس الطبي ووزارة العمل، هذه الجهات التي لها صلاحيّة على العقود وعلى العمل، تدخلنا يكون في المستشفى ومتابعته”.

ويرفض الحموري فكرة أن هناك شخصًا يعمل بمرتب 400 دينار، “شخص يأخذ راتب وتأمين وضمان اجتماعي ولا يلتزم، أليس من حقنا أن نخبره الله يعطيك العافية، روح مع السلامة، لا يوجد شخص يعمل لـ100 ساعة ويأخذ 400 هو متدرب لا عامل، لا أحد يعمل بـ400 دينار”؛ ليغلق سماعة الهاتف بعدها رافضًا الحديث.
نحو 1500 طبيبٍ يتخرج سنويًا، متجهينَ للحصول على الامتياز، ليُقبلَ أقل من النصف منهم في برامج الإقامة التي تُعدُ الحلم المستحيلَ لهم، الذي إذا ما حصلوا عليه فمن واجبهم التمسك به بأسنانهم وأيديهم حتى لا تفوتهم الفرصة، مما يخضعهم لشروط المشافي ومتطلباتها، متفقين أنه إذا كان هناك شخص سيء فلا أحد يردعه والشخص الجيد فلأنه كذلك بطبعه، بحسب المقيمين.
نشر بالتعاون مع موقع أحداث اليوم أضغط هنا
*بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR


أضف تعليق

 

*