أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

سماسرة يتحكمون بالسوق الأسود وضحاياهم عمُال مهاجرون

الثلاثاء 12 اذار 2019

*ميلاد الزعبي
“بجدد عقدي بألف وميتين دينار”، باللهجة المصرية قالها بشير الذي جاء إلى الأردن بعقد عمل زراعي ولكنه لم يعمل قط في مجال الزراعة، حيث توجه إلى العمل في مجال الإنشاءات.
بشير فراج “36 عام” جاء إلى الأردن بعقد عمل عن طريق سمسار يتقاضى قيمة مضاعفة كل عام من قيمة التصريح الحقيقي، والتي تبلغ “521” دينار فقط. بشير مجبر على قبول الدفع لأنه لا يوجد بديلا أمامه، أمام عقبات قد تواجه أي عامل يريد تحويل المهنة التي جاء للأردن للإمتهان بها إلى أي مهنة أخرى.
فيديو حول العمالة المصرية في الأردن

عمل بشير مخالف لقانون وزارة العمل وهو يدرك ذلك، ويوجب على العامل العمل في مهنته التي نص عليها تصريحه، غير ذلك، فعليه لزاماً وجوب تغيير مكان السكن لدى الجهات الأمنية في حال أراد تغيير كفيله وعقد عمله، بالإضافة الى صعوبة الإجراءات القانونية التي تحول دون أخذ التصريح أو تغيير فئته، فضلا عن إيجاد كفيل للمهنة المنوي التحويل إليها.
يواجه العمال المهاجرون، أوضاعا معيشية صعبة في الأردن، مثلا لا للحسر التزامهم بسداد ديون تراكمت عليهم نتيجة دخولهم الأردن بعقود عمل حصلوا عليها عن طريق السماسرة الذين يقدمون عقد العمل مقابل أموال إضافية، فيما تعرف هذه العملية بالسوق السوداء لعقود العمل المصرية.
تنامى السوق السوداء للعمالة المصرية بفعل إغلاق الأردن المتواتر لباب إستقدام العمالة المصرية، مما جعل عقود العمل في السوق ترتفع إلى أضعاف عن سعرها الحقيقي، كما أن صعوبة إيجاد كفيل جعل الكثير من العمالة المصرية تلجئ إلى السوق السوداء لتأمين الكفيل.
محمد السيد “45 عام” فيقول “لو حد أكل تعبي أنا مقدرش أطالب فيه، وحصلت كثيرا”، ولا يطالب السيد بحقوقه من الأشخاص الذي عمل معهم، وحيث السمسار سهل له مهمة الحصول على عقد عمل تحت مسمى عامل وطن ليعمل في كل شيء يتاح إليه. “بعد الإتفاق معهم على مبلغ معين مقابل العمل فيمتنع البعض أو يغير المبلغ بعد إنهاء العمل،” يقول السيد، “أسكت لأني لو رحت أشتكي أجيب حقي حيوقفني المغفر لأني أصلاً بشتغلش بتصريحي، أنا عقدي عامل وطن وأشتغل بمهن ثانية”.
مركز تمكين للدعم والمساندة يقدم خدمات قانونية للعمال المهاجرين وضحايا الإتجار في البشر، يرى أن (85%) من تصاريح العمالة المصرية جاءت عن طريق السوق السوداء وبواسطة وسيط بين صاحب العمل والعامل نفسه، وفي الغالب يكون السمسار من العمالة المصرية نفسها.
تقول مديرة المركز لندا كلش أن السوق السوداء منتشرة بطريقة مقوننه، وهي أن العامل حتى يستطيع ترك العمل يجب أن يحصل على مخالصة من رب العمل، والأخير يطالب العامل بدفع مبالغ مالية مقابل الحصول على تلك المخالصة.
“حتى يترك العامل رب العمل سواء بإجازة أو إنتهاء العقد يبتز صاحب العمل العامل ويطالبة بدفع مبلغ مالي للحصول على مخالصة عمل والتي دونها لا يتسطيع السفر”، تقول كلش في وصفها واقع العامل، “على أن مخالصة العمل تمثل إذن مغادرة للعامل، وهذا الإذن يعزز العمل الجبري ونظام الكفيل والذي تراه كلش مخالفا لإتفاقيات منظمة العمل الدولية التي وقع عليها الأردن، وحيث أنها نوع من أنواع العبودية الحديثة”.
حسب إتفاقية تبادل القوى العاملة بين الأردن ومصر فإن هناك بندين رئيسين للحد من إنتشار السوق السوداء أولهما يمنع وجود مكاتب استقدام او مكاتب وسيطة بين العامل والعمل ويكون الإستقدام آلياً بين الدولتين.
أما البند الثاني “المعاملة بالمثل” وهو أن يتعامل الأردني في مصر بنفس تعامل المواطن المصري والعكس بالنسبة للمصريين المتواجدين في الأردن، وهو ما لم يطبق حقيقة حيث أن الحكومة الأردنية تستوجب وجود تصاريح عمل وكفيل وغيره من الإجراءات الإدارية والقانونية على العامل المصري، ولا تطلب الحكومة المصرية تلك الإجراءات من العامل الأردني المتواجد في مصر.
مساعد الأمين العام للشؤون الفنية في وزارة العمل، عبد الله الجبور، يقول أن قانون العمل لم يفرق بين الأردني وغيره من العاملين.
يظهر كتاب رقم (ع\1\73) الصادر عن وزارة العمل بتاريخ (04\1\2016) مهناً مغلقة وممنوعة على العمالة المهاجرة في الأردن، ويشكل تفرقة بين العمالة المحلية والمهاجرة، ويخالف عدد من الإتفاقيات التي وقعّها الأردن.
نص الكتاب: “(…) ضرورة السعي لإحلال العمالة الأردنية مكان العمالة الوافدة, وذلك من خلال وضع برامج تأهيلية وتدريبية للعمال الأردنيين في شتى مجالات العمل, وللتأكيد على ضرورة ضبط سوق العمل الأردني وعدم السماح للعمالة الوافدة بإشغال المهن التي يقبل عليها العمال الاردنيون، فإن وزارة العمل تؤكد مرة اخرى على إغلاق المهن التالية للعمالة الوافدة مع عدم السماح بإشغالها الا من قبل العمال الاردنيين”.
حملات التفتيش خارج أوقات العمل
“قلي أنت مخالف، تصريحك على سحاب، أنت بتعمل إيه هنا” هذا ما أخبرنا به “محمد يحيى عزت” المبعد عن الأردن لمدة خمس سنوات، لأنه يعمل خارج مكان عمله المدرج بالتصريح حسب بيانات وزارة العمل، تواصلنا مع “محمد” في مصر عبر الهاتف وأخبرنا قصته كامله حيث أكد أنه لم يكن يعمل وقتها، وكان متجها لزيارة أحد أقاربه ولكن ألقي القبض عليه وهو في الشارع.
استمع إلى صوت محمد عزت نقل محمد إلى مديرية جنوب عمان، يقول “عملولي محضر في الباص قبل ما ننزل القسم، كتبوا لكل واحد في الباص كتاب وما بنعرف شو كتبولنا فيه” ويضيف محمد ” أنا كفيلي حيتظمني عاوز أحكي تلفون، سحبوا منا التلفون وطول ما إحنا بالمغفر ممنوع نستعمل التلفون” محمد الذي نقل إلى عدة مغافر منع من إستعمال الهاتف في جميع تلك المراكز.
بالرغم من عدم قانونية حملات التفتيش بالطريقة التي يجريها المفتشون، فالمستشار الإعلامي السابق في وزارة العمل، خليل النظامي، يوضح لنا أن آلية تنفيذ الحملات غير قانونية وبطريقة مخالفة للقانون.
يوضح النظامي أن إلقاء القبض على العامل وهو في الشارع وخارج إطار عمله “غير قانوني”، ولو شاء العامل لللجأ إلى القضاء وأخذ تعويض على تلك التصرفات، “هناك قوانين وأنظمة تحكم عمل المفتشين ولكن في الغالب لا يلتزمون بها”.
مساعد الأمين العام للشؤون الفنية في الوزارة العمل، عبد الله الجبور يؤكد ” أن حملات تفتيش الوزارة لا تكون إلا في منطقة العمل، حيث أن التفتيش على السكنات يكون مخالف وقد يجمع السكن أكثر من شركة بالتالي أكثر من نوع تصريح عمل وعليه فإن الوزارة لا تقوم بأي تفتيش خارج مكان عمل العامل.
تقوم وزارة العمل بالتفتيش على مرحلتين، أولهما تفتيش إعتيادي وهو ما يخص العامل ورب العمل، والتأكد من أن العامل الوافد يحصل على جميع حقوقه، وأن رب العمل يضمن حقوقه أيضاً ضمن العقد والتصريح الذي استخرجه للعامل، وأما التفتيش الثاني، فهو تفتيش عكسي لضبط العمال المخالفين والسماسرة الذين أوجدوا السوق السوداء.
“تفتيش العمل والسلامة والصحة المهنية” دليل أصدرته وزارة العمل لأصحاب ومدراء الموسسات”، وتعرفهم بأن التفتيش هو زيارة أماكن العمل للتحقق من الإلتزام بحقوق العمال التي نصت عليها القوانين والأنظمة الأردنية والتأكد من كفاية الإجراءات المتخذة في مكان العمل لتحديد المشكلة المحتملة والحيلولة دون وقوعها، ويقوم بهذه الزيارات عادة مفتش أو أكثر من وزارة العمل، و قد يشارك فيها مفتشون من هيئات حكومية أخرى إذا لزم الأمر.
ورغم صراحة مكان التفتيش بمنطقة العمل إلا أن المفتشون يقوم بعملهم في الشوارع وأماكن أخرى يتواجد بها العمالة المهاجرة. يشير تقرير صادر عن “مديرية الإتصال والإعلام المجتمعي في وزارة العمل”، أن مديرية التفتيش بالوزارة قامت بـ “94451” زيارة تفتيشية على منشآت ومؤسسات مختلفة في المملكة خلال عام 2018، منها “7883” زيارة تفتيش متعلقة بمكافحة عمل الأطفال، و”1929″ زياره متعلقه بالسلامة والصحة المهنية، و”43442″ زيارة حول شروط وظروف العمل.
سبق وأن وجهت مديرية التفتيش، “6195” رسالة نصح وإرشاد و”5121″ إنذار متنوع، إضافة الى تحرير “3767” مخالفة متنوعة، واوضح انة تم خلال هذة الفترة تسفير “7146” عامل وافد مخالف لقانون العمل. علما أن عدد مفتشي الوزارة وصل إلى 200 مفتيش.
تؤكد الوزارة أن حملات التفتيش بأنواعها مستمرة ليلا نهارا، وقد أعلن أن هذا التفتيش يأتي للتوثق من مدى إلتزام أصحاب العمل والعمال بقانون العمل والأنظمة والتعليمات المرعية، بهدف ضبط وتنظيم سوق العمل، وعلى مدى إلتزام المنشآت في تطبيق المادة “12” من قانون العمل الأردني التي تحظر إستخدام أي عامل وافد من أي جنسية أخرى غير الاردنية إلا بعد الحصول على تصريح عمل ساري المفعول من الوزارة.
وبالرغم من أن الوزارة في بيانتها تؤكد أن التفتيش يكون في أماكن العمل لكن القاء القبض والتسفير تتم خارج أماكن العمل، فالشاب سيد “38 عام” (عامل مهاجر) يقول “كل اصحابي إلي تم تسفيرهم أخذوهم من الشارع”.
ويوضح الشكل أدناه مقدار تصاريح العمل التي أعلنت عنها الوزارة في الفترة المتدة من عام (2010-2016)، حيث يبين الشكل زيادة خلال العامين الأخيرين مقارنة بباقي الأعوام.

يضيف سيد (اسم مستعار) “مشكلة التفتيش كثيره مثلاً أنه مجرد تكون ماشي بالشارع ممكن حد يوقفك ويطلب تصريحك ويطلب أشياء منك ما الها داعي”، ويقول “والمشكلة في التفتيش حتى لو المفتشين اجواء على مكان العمل ولقوا حد معاه تصريح عمل بس على اسم كفيل ثاني يتم تسفيره أو تغريمه بمبلغ عالي”.
ويضيف الجبور أن صلاحيات التفتيش على بيئة العمل في السكنات كانت ضمن صلاحيات وزارة الصحة قبل أن يتم نقلها إلى وزارة العمل، ويشير الجبور إلى أن الوزارة تتعامل مع العمال المهاجرين ضمن أطر القانون والأنظمة والتعليمات بهذا الخصوص.
في حديث سابق لوزير العمل سمير مراد بين ان عدد العمالة الوافدة في الأردن ما يقارب (680) ألف عامل وأن عدد الذين حصلوا على تصاريح يزاهي (320) ألف عامل وبين ان القوى العاملة في الأردن ما يقارب (1.6) مليون عامل في حين بلغت نسبة البطالة في الأردن (18.5%).
يقول الوزير مراد أن مجاميع الحوالات التي تقوم بها العمالة الوافدة بلغت (1.8) مليار دينار، في حين بلغت حوالات الأردنيين في الخارج (2.6) مليار دينار مما سبب بطء في النمو على حد تعبيره، وطالب باحلال العمالة المحلية بدل الوافدة لتخفيف نسب البطالة وزيادة النمو في الأردن.
تصاريح
الجانب الرسمي وجه خطاباً قاسياً سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ضد العمال المهاجرين التي لا تحمل تصاريح عمل، وزير العمل السابق “علي الغزاوي” في تصريح رسمي ألقاه في غرفة تجارة عمان قال فيه “إلي ما معه تصريح ما إله حقوق عندي” وأضاف “التصريح هو حماية لحق العامل”.
أما وزير العمل الحالي “سمير مراد” فلم يتردد في مقابلة على إحدى المحطات التلفزيونية الأردنية أن يهدد كل عامل لا يحمل تصريح بالتسفير من الأردن، “المفتشين جايين ورح استعين بأجهزة أخرى من الدولة، إلي ما معاه تصريح عمل وبلقطه بشتغل تسفير والله يسهل عليه”.
(فيديو )فيديو حول تصريحات الحكومة
نصت المادة “12” من قانون العمل للعمال الغير أردنيين، على “ب- يجب أن يحصل العامل غير الأردني على تصريح عمل من الوزير أو من يفوضه قبل استقدامه أو استخدامه ولا يجوز أن تزيد مدة التصريح على سنة واحدة قابلة للتجديد وتحتسب مدته عند التجديد من تاريخ انتهاء مدة آخر تصريح عمل حصل عليه”.
تتركز العمالة المهاجرة فـي سوق العمل في نشاطات رئيسـية أكثر من غيرهـا، وقد جاء ترتيب النشـاطات الإقتصادية حسـب تركـز العمالـة الحاصلة علـى تصاريـح عمـل فيهـا لعـام “2016” حيث كانت أكبر أعداد تصاريح لـ الزراعـة والحراجـة وصيـد الأسماك وبنسبة (28.7%)، وأقلها تصاريح أنشـطة الإقامة والخدمـات الغذائيـة (5.5%)، ويوضح الشكل أدناه توزيع تلك العمالة حسب نوع العمل الذي تقوم به العمالة المهاجرة في الأردن.


“أجيت على الأردن بتصريح زراعي، ومشتغلتش خالص فيه”، أخبرنا أحمد “33عام” بقدومه إلى الأردن بداية (2015) بتصريح عمل زراعي ليعمل في قطاع مغاير. يلجأ أغلب أصحاب العمل على تصاريح الزراعي كون المبالغ التي يطالب بها من قبل وزارة العمل أقل من باقي التصاريح، ويكتب بالعقد للعامل راتب أقل، مما يسلبه حقه في المطالبة بزيادات، لتمارس عليه كورقة ضغط في المستقبل في حال قرر ترك العمل أو المطالبه بزيادة.
“لما شفت راتبي قليل طلبت من الكفيل زيادة بس هوه رفض وقلي مش عجبك حرجعك بلدك، وأنت أتفقت معي من أول ما جبتك هيك”، يقول أحمد.
ولعل محاولة ترك العمل مع الشخص المستقدم أو الشركة أشبه بالمستحيلة، كون العامل يتطلب في حال المغادرة ورقة تسمى “إخلاء سبيل” مشابة لورقة “ابرأ الذمة” تستوجب من العامل جلبها من كفيله في حال قرر ترك العمل والعودة الى وطنه، ويمنع العامل من أخذ اجازه أو مغادرة أرض الأردن دون موافقة كفيلة ودون تقديم تسويات مع الكفيل، مما يضطر بعض العاملين إلى القبول بأشياء خارجة عن إرادتهم، حتى لا يتم تعقيدهم من قبل الكفيل، يلجأ بعض أصحاب العمل إلى جعل العاملين يعملون قسرياً، بأن تفرض أغلب الأعمال والخدمات على العامل بالعمل عنوة تحت التهديد بأي عقاب، والتي لا يكون الشخص قد تطوع بأدائها بمحض إرادته.

تظهر بيانات الإحصاءات العامة أن هناك مشكلة في نسبة الذين لا يقرأون ولا يكتبون بين الجنسيات المقيمة في الأردن، سواء بشكل رسمي أو غير ذلك، حيث أظهرت الأرقام أن ما نسبته “24%” من الجنسية المصرية المقيمين في الأردن لا يعرفون القراءة ولا الكتابة.
يوضح الشكل آدناه عدد من الجنسيات العربية وغير العربية ممن لا يعرفون شيء عن القراءة والكتابة، وتشكل تلك النسب مشكلة واضحة في حال إستقدامهم عن معرفة ظروف قرأت العقود بدقه، والطريقة التي قبلوا بها القدوم إلى الأردن، وقد أظهرت البيانات أن أغلب المقيمين في الأردن من الجنسية المصرية، وأن ما يقارب (40%) من الجنسية المصرية من مجموع المقيمين في الأردن من كافة الجنسيات لا يعرفون شيء عن القرأة والكتابة، فيما حلت الجنسية العراقية بأقل عدد أميين للمقيمين في الأردن.

وتعد أهم النقاط على العقود بالذات الزراعي منها، أن العقد لم ينص على طبيعة العمل وإلتزامات صاحب العمل المالية، فيما يتعلق برسوم تصريح العمل أو غيرها، حيث يفاجأ العديد من العمال بأنَّ عليهم دفع رسوم تصاريح عملهم بعد قدومهم إلى الأردن أو جزء منه، إضافة إلى بعض الممارسات الأخرى، مثل مصادرة وثائق سفر العمال وإجبارهم على التوقيع على كمبيالات أو شيكات على بياض.
ورغم أن قانون العمل ينص في المادة “47” على عدم قانونية دفع العامل لأي مبالغ مادية بدل الخدمات والحقوق التي قدمها له الكفيل، إلا أن الكثير من العمال يدفعون بدل سكن وبدل تصاريح عمل وضمان إجتماعي.
بحسب مركز تمكين للدعم والمساندة فإن “العمال المهاجرين في القطاع الزراعي، محكومون بوضع قانوني إستثنائي يجمع بين عنصرين رئيسيين: الأول، هو أن قانون العمل لا ينطبق على العمال الزراعيين، أما الثاني فيكمن في الإشكاليات الناتجة عن عدم توفر صيغ تطبيق وحماية موحدة لقوانين العمل، بل وتطبيق قوانين تحمل تمييزاً ضد العمال المصريين الذين يشكلون الغالبية العظمى من عمال القطاع الزراعي”.
مسؤولية تصريح العمل وإستخراجه، ليس من مسؤولية العامل، بل من مسؤولية رب العمل، يؤكد مركز تمكين هذه النقطة في بياناته دائما. “من النقائص الموجودة في قانون التصاريح، أن وزارة العمل تستخرج تصاريح العمل بشرط وجود رب العمل أو من يفوضه وليس العامل”، تقول كلش التي تلفت إلى أن الوزارة يمكنها أن تحد من السوق السوداء لبيع التصاريح بإشتراط وجود العمال حين استخراج التصريح، فالعامل غائب تماماً عن إصدار تصريحه.
أما عن دفع العامل لقيمة التصاريح تقول كلش “إن كل المبالغ التي تترتب على تصريح العمل، من التصريح وحتى الفحص الطبي، هي من واجبات رب العمل وليس العامل، وبينت كلش أن أغلبها كان العامل هو الذي يدفع تلك المبالغ، “من النادر جداً أن هناك صاحب عمل دفع تلك المبالغ، وإن لم يدفع العامل تكلفة التصاريح كاملاً فهو بالغالب يدفع نصف ثمن التصريح” تقول كلش.
قيود أكثر
وفي خطوة مشددة، فالحكومة اتخذت خطوة مقيدة لى الحوالات المصرفية للعمال المهاجرين، متمثلاً بعدة اجراءات كان أولها أن العامل الذي يرغب بتحويل الأموال إلى بلده يجب أن يكون لديه تصريح عمل ساري المفعول، كما على العامل المهاجر التقييد عند إرسال الحوالة بنفس الموقع الجغرافي الذي صدر به التصريح.
جاءت هذه الإجراءات بأثر على الإقتصاد الأردني بنفس العام الذي فرض فيه القانون (2016)، حيث أظهرت إحصائيات البنك المركزي إلى إنخفاض قيمة تحويلات العمالة الوافدة (10.8%) في النصف الاول من العام السابق إلى (136.7) مليون دينار مقارنة مع (192.8 مليون دولار) مع مستوياتها في نفس الفترة من العالم الماضي.
الضمان الإجتماعي والتأمين الصحي
إشراك العمالة المهاجرة بالضمان الإجتماعي والتأمين الصحي، لم تعد مشكلة بحد ذاتها بل تعدتها إلى قيام أصحاب العمل بعدم تجديد أو إصدار تصاريح عمل للعمال المهاجرين للتهرب من دفع الضمان الأجتماعي وضريبة الدخل التي تستوجب على رب العمل، فالكثير من أرباب العمل لا يقومون بتصويب أوضاع العمالة المهاجرة خوفاً من تلك المبالغ التي أوجبتها الدولة عليهم والخاسر هو العامل المهاجر.
“إلي 18 سنة بشتغل بالأردن بدون تأمين صحي ولا ضمان إجتماعي، ولما أنزل إجازة على بلدي يتم إيقاف راتبي من قبل صاحب العمل” بهذه الكلمات بدأ حسنيين “57عام” كلماته عندما سألناه عن اشتراكه في الضمان.
“صاحب عملي كان مستلم منصب كبير في الدولة، وجابني على عقد ما حدد فيه راتب ولا شيء وقطعلي التصريح وشغلني حارس ومزارع وبنضف الشاليه وبقوم بكل شيء براتب 230 دينار شهري”، حسنيين “إسم مستعار” أبدأ تخوفه من الحديث بالكثير من التفاصيل، حتى أنه أصر على عدم ذكر إسمه واكتفى بالقول “بدنا نعيش وناكل لقمة الخبز، ولا ما تركنا بلدنا”.
ويعد العامل القادم بتصريح زراعي غير خاضع لقوانين وزارة العمل، ما يجعل أغلب أصحاب العمل بإستقدام العمال على تصريح عمل زراعي، لما يوفره على رب العمل من مصاريف إضافية. فضلا عن عدم وضوح تلك العقود من ناحية الراتب والحقوق والواجبات، ويلجأ أرباب العمل في مجالات أخرى إلى إستقدام العامل على عقد زراعي وتشغيله في غير تلك المهنة وبنفس شروط العقد الزراعي المبرم.
ورغم أن قانون العمل بالمادة رقم “8” لا يميز بين العامل الأردني وغير الأردني بما يتعلق بحقوق العامل الوافد المترتبة على صاحب العمل، إلا أن العمال وبكافة القطاعات سواء الخاصة أو العامة لا يمنح حق العلاج بتأمين صحي إسوة بالعمال الأرديين.
عاشور الخمسيني “مصري الجنسية”، يعمل في إحدى بلديات المملكة “موظف حكومة” بوظيفة عامل وطن يقول “إلي بالأردن (18) سنة بالتمام، لكن ما معي تأمين صحي رغم أنه مهنتي تسبب الكثير من الأمراض” ويضيف “أنا مشترك بالضمان عن طريق البلدية بس تأمين صحي بيرفضوا يعطوني لأني عامل غير أردني، وحتى أهل غزة إلي مقيمن بالأردن وبيشتغلوا معي بيعانوا مثلي”.
إسماعيل خصيلات “صاحب عمل” ويعمل في مجال الرخام، يرى أن تعقيدات وزارة العمل هي السبب في عزوف أصحاب العمل عن تجديد عقود العمل للعمال المهاجرين، ويرى خصيلات أن أغلب أصحاب العمل يفضلون العمالة المخالفة، كونها غير مشموله بالضمان والدخل والتصاريح والإجازات وغيرها.
تظهر بيانات الضمان الإجتماعي أن أكثر المشتركين لديها من العمالة المهاجرة يشتركون بضمان إجتماعي بالحد الأدنى من الأجور، حيث شكلت نسبة ما يقارب (46%) من المشتركين غير الأردنيين يشتركون بالحد الأدنى من الأجور، ويمثل الشكل التالي نسب العماله المهاجرة حسب الراتب ومقدار إشتراكهم بالنسبة إلى الأجر الذي يتقاضوه.

وبحسب وزارة العمل فإن (320) ألف عامل مهاجر حصلوا على تصاريح عمل، بينما أظهرت البيانات لدى موسسة الضمان الإجتماعي أن المشتركين غير الأردنين لديها (162,325عامل)، أي أن وحسب البيانات بين الوزارة والمؤسسة، هناك ما يقارب (157,675عامل) حصل على تصريح عمل لكنه لم يشترك في الضمان.
ويمثل الشكل التالي الفجوة بين المشتركين في الضمان، وغير المشتركيين من الحاصلين على تصاريح عمل.


يرُجع مساعد الأمين العام للشؤون الفنية في الوزارة، عبد الله الجبور هذه الفروقات في الأعداد بين التصاريح والمشتركين بالضمان الإجتماعي، إلى أن التصاريح ليست جميعها تستوجب أن يكون هناك إشتراك ضمان إجتماعي، حيث بين الجبور أنه يستثنى من الإشتراك في الضمان تصاريح العمل للعاملات في المنازل والعاملين في القطاع الزراعي، حيث أن قوانين وزارة العمل لا تستوجب في حال استقدام عاملة منزل أو شخص للعمل في القطاع الزراعي إشراكة في الضمان الأجتماعي.
كما وتظهر البيانات أن ما نسبته (50.9%) من المشتركيين لدى المؤسسة في العاصمة عمان، وحلت في المركز الأول بعدد المشتركين، في حين كان أقل عدد مشتركين في محافظة الطفيلة بنسبة بلغت (0.2%) من مجموع المشتركين لدى المؤسسة بـ العمالة غير الأردنية،
وتمثل الخارطة أدناه توزيع العاملين المشتركين في الضمان الإجتماعي من العمالة المهاجرة حسب المحافظة.
إضغط هنا خارطة تفاعلية
ســجّلت بيانــات الضــمان الإجتماعي وقوع حادثة عمل كل (33) دقيقة في الأردن، ووقـوع وفاة ناجمة عن حادث عمل كل (5) أيام، ووصلت أعـداد إصـابات العمل المسجلة منذ نشـأة المؤسسـة إلـى مـا يزيـد علـى (430) ألف إصابة، وبمعدل سنوي (14) ألف إصابة.
يرى مركز تمكين للدعم والمساندة، أن أغلب الشكاوى الواردة إلـى المركز، أن العديد مــن العـاملين يتعرضـون لإصابات عمل جراء تعاملهم مع الآلات، كذلك تتعرض عاملات المنازل لإصابات عمل إما نتيجة تعـاملهم مـع المواد الكيماوية دون استخدام الأدوات الخاصة بـذلك بسـبب عــدم توفيرهــا مــن قبــل صــاحب العمــل، أو ســقوطها أثنــاء تنظيف النوافذ.
تقول مديرة مركز تمكين أن العديد من الأطباء والممرضين أبلغونا، أن هنالك عمـال يتعرضـون لأمراض في الجهاز التنفسـي بسـبب عدم وجود تهوية جيدة في أماكن العمـل والسـكن، ومـنهم مـن يعاني أمراضا في العين بسبب سوء الإضاءة، ووضح المركز أن تكلفة علاج إصابات العمل غالبيتها يتكفل بها العاملين إلى جانب خصم أيام غيابهم من أجرتهم الشهرية.
الكفيل ما بين الإستعباد والسوق السوداء
“وجود الكفيل منذ عام “2013” في الأردن شكل مشكلة كبيرة بحق العمالة المهاجرة بالذات المصرية”، تقول لندا كلش، وتستوجب قوانين استقدام العمالة المصرية في الأردن وجود كفيل يضمن ذلك العامل ويقيم العامل المهاجر على اسم ذلك الكفييل.
حسنين “مصري الجنسية” يعمل في قطاع المقاولات يصف الكفالة بأنها “عقد زواج” على حد تعبيرة يقول “الكفيل عبارة عن زوج، لا يحق للعامل تركة أو تغير عملة ولا حتى العمل مع أي شخص أخر في وجودة”، يضيف “مرات الكفيل بيكون ما عنده شغل فبوقف راتب العامل، مما يظطر العامل إلى البحث عن عمل أخر لحين إحتياج الكفيل له، وعندما تأتي لجان التفتيش تقوم بتوقيف العامل بحجة تغير مكان العمل”.
ويرى حسنين “48 عام” أنه في حال وقع على العامل ظلم من قبل الكفيل، فيصبح العامل مرهون في مزاج الكفيل، فإما ينهي عقدة ويتم تسفيره بعد إجراءت طويلة، تبدأ من توقيع ورقة على أن العامل خالي الذمة، وتنتهي بترحيل العامل من البلد، وتتخلل تلك المرحلة مراجعات للضمان والجهات الأمنية قد تستمر أشهر.
لا ينكر حسنين أن الكفيل لا يستطيع أن يترك العامل بكامل حريته، معللاً ذلك بأن الكفيل يدفع عن عامله ضمان إجتماعي بمقدار “35” دينار شهرياً، ويوضح أن أكبر مشاكل العامل المهاجر هي الكفالة، ويقول حسنين أنه وفي حال رغب العامل في ترك الكفيل في الغالب يدفع العامل للكفيل مبلغ مالي يتفق عليه، وبين حسنين أن نظام الكفالة هي أكبر معضلات العامل المهاجر وما دون ذلك هين ويمكن حله.
نظام الكفالة بإعتباره نظام يؤسس لاستعباد، أوجد سوقا سوداء لبيع التصاريح، ما زاد من عدد ضحاياه بين العمال المصريين، وضحايا محتملين في كل يوم، وحيث الحد من وقوع ضحايا جدد يكمن في وقف العمل بنظام الكفالة بكامله كحل جذري، تقول كلش.

*بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR
نشر على موقع عمان نت أضغط هنا


أضف تعليق

 

*