أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

سجناء وأسرهم في مواجهة صدمة الإفراج والوصم المجتمعي

الأربعاء 25 تموز 2018

أنصار أبوفارة*

عمان – “لم نكن شجعانا بما يكفي لمواجهة ما حلّ بنا في البداية، دخل والدي الحبس، وتغير حالنا، وكأن كل شيء هوى في لحظة، لكن كان علينا أن نسير ونمضي، فسرنا، وكان علينا أن نهرب من أنفسنا حتى نتهرب من أحاديث الناس ونظراتهم، صرنا منبوذين بين عشية وضحاها، وحملنا حمْلنا أنا وأخوتي صغارا على ظهورنا، لكن حمل أمّي كان الأثقل”.
هكذا تروي روان (اسم مستعار) حالها وأسرتها بعد دخول والدها السجن في قضية اختلاس، تورط بها – كما تقول- بتأثير من زملائه الذين تلاعبوا بسجلات مستودعات كانت تحت مسؤوليته.
غاب الوالد 5 سنوات عن عائلته، عملت خلالها الأم بأقل الأجور حتى ترعى أبناءها الذين هجروا كتبهم، رغم أنها تمكنت من إلزامهم بارتياد المدرسة، أما ابنتها الكبرى فقد أجلت دراستها الجامعية، وبدأت تعمل من المنزل عبر الإنترنت، لتتحاشى نظرات الناس.
عقب انقضاء مدّة حبس والد روان، لم يكن الإفراج مفرحا كما توقعته العائلة، فهم ينتظرون من الوالد العودة لتحمل مسؤولياته وتعويضهم عمّا خسروه، بينما خرج الأخير من صدمة الحبس، لينزلق إلى حالة جديدة من الصدمة بعد الإفراج، بسبب رفض المجتمع له، وخسارته لعمله، وعجزه عن إيجاد فرصة عمل جديدة يسند بها حياته.
أصيب الوالد بالإحباط، فانتهى به الحال وحيدا يقضي يومه في شرفة منزله الذي لم يعد قادرا على دفع إيجاره، وسلم نفسه للتفكير الذي بدأ ينهش رأسه، فالأهل قد تخلوا عنه، والأبناء يديرون حياتهم بأنفسهم كما اعتادوا في غيابه، أمّا علاقته بزوجته فقد آلت إلى طلاق صامت.
والأسوأ، بحسب المدير التنفيذي لجمعية الرعاية اللاحقة للسجناء وأسرهم عبدالله الناصر، أن العقوبة تمتد إلى أفراد عائلة المحكوم، ليصبحوا ضحايا لجريمة لم يرتكبوها، نتيجة الثقافة المجتمعية التي تلصق بهم وصمة العار، وتهميشهم وعدم مساعدتهم من قبل الجهات المعنية، لتبقى معاناتهم في الظل.
ويؤكد أن أسرة المفرج عنه هي أكبر المشاكل التي تواجهه بعد انتهاء محكوميته، فعدم وجود أسرة مستقرة ماديا ونفسيا واجتماعيا – نتيجة تبعات الحبس – قد يعيده إلى شبح الجريمة من جديد، أو يتسبب في انعزاله، في حين يساعده استقرارها على التكيف مع واقعه الجديد، مؤكدا أنّه من النادر أن تنجو أسرة من التأثيرات المصاحبة لدخول أحد أفرادها إلى الحبس، ويتضاعف الأثر إن كان العائل هو السجين، فالضرر في هذه الحالات لا يقف عند حدود المواجهة السلبية التي يقابل بها المجتمع المفرج عنه وأسرته، وتشمل أيضاً المواجهة السلبية التي يلقاها المفرج عنه من أسرته التي عانت جراء حبسه، وربما انجرار أحد أفرادها إلى الجريمة.
عقبات الاندماج
والد روان ليس الوحيد الذي فقد التوافق المتبادل بينه وبين عائلته والمجتمع عقب انقضاء مدة حبسه، فهي أشدّ المراحل صعوبة في حياة المفرج عنه، وخاصة ممن يحبسون لأول مرة ويقضون محكوميات عالية، إذ يصاب المفرج عنه بـ “صدمة الإفراج”، ويكون في أشدّ الحاجة لإعادة تأهيله ومعاونته على الاستقرار لمنع عودته إلى ارتكاب أفعال مضادة لقيم المجتمع، أو تكرار جريمته، لكنه فعلياً، يصطدم بعقبات اجتماعية ونفسية ومادية، وتشريعية أيضا، قد تكون سبباً في حدوث الانتكاسة والانحراف من جديد.
في الأردن، لا يجوز إعادة الاعتبار للمحكوم بعقوبة جنائية إلا بعد مضي 3 سنوات من تنفيذ العقوبة أو صدور العفو العام، وبعد مرور سنة واحدة إذا كانت العقوبة جنحية، ويؤخذ بمثلي هذه المدة إذا كان المحكوم عليه مكررا، بحسب القانون المعدل لقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (16) لعام 2017، ويعيق ذلك المفرج عنه بإيجاد فرص عمل جديدة، كون “عدم المحكومية” هي إحدى الوثائق الأساسية للتشغيل في القطاعين العام والخاص، عدا عن القيود الأمنية التي تلتصق بالمحكومين وإن غادروا جرائمهم، وتحول دون ممارستهم لحياة طبيعية، وفقاً للمحامية هالة عاهد.
وعلى صعيد الأسرة، بينت دراسة استقصائية تحت عنوان “صدمة الإفراجِ وإعادةِ إدماج السجناءِ الحالييِن والسابقين في الأردنِ 2010-2011″ أن 70.7 % من الأفراد المشمولين في العينة وعددهم (507) رجال ونساءً، ليس لديهم مصدر مالي للإنفاق على الأسرة بعد الإفراج، وثلث العينة (29.9 %) ليس لديها مكان للسكن بعد الخروج من السجن، وتشير نتائج التحليل إلى أن نصف أفراد العينة كانوا قلقين من الصعوبات التي ستواجههم في العودة لعملهم السابق، أو العثور على عمل جديد.
إن عملية الانتقال المفاجئ للفرد من المؤسسة العقابية إلى العودة للحياة الطبيعية تصيبه بصدمة ما بعد الإفراج، فالانتقال من الاعتماد على الآخرين إلى مرحلة الاستقلالية بحاجة لتهيئة خاصة، من أجل إعادة إدماج المفرج عنهم في المجتمع بطريقة سليمة، كما يوضح الناصر، مشيراً إلى دور جمعية الرعاية اللاحقة للسجناء وأسرهم بـ”إدماج” في تأهيل السجناء المفرج عنهم وأسرهم، ليستفيد المجتمع من طاقاتهم المبددة، بدلا من أن يكونوا مصدر تهديد وخطر.
جريمة العَوْد
في عمر مبكر، سجن (ف.س) لأول مرة بتهمة السرقة، قضى حكمه وخرج لمواجهة عقوبة ثانية، اتخذت شكل النبذ والتهميش الذي مارسته عليه أسرته، بسبب ما جلبه لهم من صيت سيء، بحسب حديث الأم.
لم يعط (ف.س) أي فرصة لإصلاح نفسه، فأسلوب أسرته من جهة، ونظرات الشك التي يرمقها به المحيطون به من جهة أخرى، ولّدت لديه مشاعر سلبية جعلته ناقماً على من سلبه حريته، فاندفع لتكرار السرقة، وفي كل مرة يخرج فيها من الحبس، يعود لجريمته، حتى بات موضع شك لكل الجيران والمحيطين به، يبادرون إلى اتهامه لدى وقوع أي حادثة، وبعد سنوات، يقضي الآن تحت الإقامة الجبرية في منزله بمدينة الزرقاء، ويثبت حضوره يومياً في المركز الأمني.
“راح عمره على هالحال”، تقول الوالدة وهي تشير إلى ابنها الذي قارب عمره من الخمسين، وهو يلهو بقطعة من الخشب، لعدم وجود ما يشغله.
كانت بيدها صورة تجمع كلّ أفراد عائلتها في طفولتهم، تشير إلى ولدها الثاني قائلة: “ابني هذا تغلب لتزوج، ماحدا كان يقبل يعطيه، بسبب سمعة أخوه”، ثم تمرر بنانها على صورة بناتها مردفة: “وبناتي الثلاث، ما تزوجت ولا واحدة منهن”. قالتها وغصّت.
عائلة بأكملها عاشت مرارة الوصمة الاجتماعية على مدى سنوات جراء دخول أحد أفرادها إلى الحبس، ولم يحظ المحكوم بأي فرصة للمساعدة، فلم يتحرر من جريمته.
المختص في علم الاجتماع والجريمة، حسين محادين، يرى أن هؤلاء المحكومين هم أقرب إلى المرضى بمنظور العلم، وهم بحاجة إلى مساندة ليتم إطفاء السلوك الخاطئ لديهم، وإلا عادوا إلى الجريمة إن يئسوا من إمكانية تقبلهم بعد الإفراج عنهم أول مرة.
ويعتبر محادين مراكز الإصلاح والتأهيل مجرد مهاجع داخل أسوار تحتجز حرية المحكومين، وتفتقر لأي برامج معيارية سلوكية لإعادة تقويم سلوكهم، مما يجعل عملية الحبس غير رادعة، وقد يكون لها مصاحبات أخرى تتمخض عنها نتائج أسوأ، مثل اكتساب أنماط سلوكية جديدة من مجرمين أخرين، كما أن عدم تأقلم هؤلاء بعد الإفراج مع التغيرات التي جرت في غيابهم، يزيد من صعوبة تجاوزهم لصدمة تنفيذ الحكم، لتقع “جريمة العود”.
يكشف التقرير الدوري الثاني حول أوضاع مراكز الإصلاح والتأهيل الصادر عام 2016 عن “كرامة” (فريق الرصد الوطني لمنع التعذيب يعمل ضمن ولاية المركز الوطني لحقوق الإنسان) عن عدم تقيد مراكز الإصلاح والتأهيل في المملكة بإجراءات التصنيف المنصوص عليها في المادة (11) من قانون مراكز الإصلاح والتأهيل رقم (9) لعام 2004، حيث يتم وضع النزلاء في زنزانة مشتركة، دون مراعاة الفعل الجرمي، مما يعيق إعادة تأهيله ويدفعه للاحتكاك بمجرمين أشد خطورة.
تصل نسبة تكرار الجريمة في الأردن إلى 50 % بحسب تقديرات “إدماج”، ويعود ذلك إلى وجود خلل في عملية الإصلاح وإعادة التأهيل كما أورد تقرير “كرامة”، إذ يقضي النزلاء في المراكز البالغ عددها 15 مركزاً وقتهم نياماً، لانعدام الأنشطة التي تشغلهم، وبالتالي، هم عرضة للاكتئاب والأفكار السوداء، وخاصة، في ظل نقص التأهيل النفسي للنزلاء، وعدم وجود تعامل ملائم مع مدمني المخدرات والمؤثرات العقلية، الذين يحتاجون مختصين نفسيين واجتماعيين مدرَبين للتعامل معهم.
ويبين الناصر استناداً لبحوثه التي أجراها على السجناء وعائلاتهم، أن الحاجة ماسّة لبرامج إصلاح حقيقية تحقق الاستفادة من قدراتهم وتساعدهم على العودة إلى الأسرة والمجتمع بعد انقضاء محكوميتهم، ويجب أن تتضمن تعليمهم حرفة أو مهنة تعينهم على الإنفاق بعد الإفراج، وإخضاعهم لعلاج نفسي لتقويم سلوكهم، بدل إبقائهم بلا عمل أو نشاط داخل المهاجع.
ومن جهته، يوضح مدير المكتب الإعلامي في مديرية الأمن العام عامر سرطاوي أنّ إدماج النزيل في برامج وتعليمه الحرف له محددات عديدة أبرزها سلوك النزيل ورغبته، والبنية التحتية لمراكز الإصلاح، فبعضها مهيأ وليس جميعها.
ويشير إلى أن الرعاية النفسية التي يتلقاها النزلاء غير كافية بسبب نقص المختصين، محيلاً المسؤولية إلى وزارة الصحة التي تتولى الأمر.

نشر التقرير في جريدة الغد على الرابط التالي: https://bit.ly/2LgEQJX

*بدعم من منظمة “صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR”.


أضف تعليق

 

*