أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

إعلام مهني لا يخاف مناهضة خطاب الكراهية

الإثنين 25 حزيران 2018

بقلم سونيا الزغول
دعوة بسيطة لدورة صحفية بعنوان ” الاعلام وحقوق الانسان” نظمها مركز حماية وحرية الصحفيين لم اكن اعلم انها ستقلب الموازين التي اتعاطى بها مع الملفات التي اكتب حولها، كان ذلك في بداية مشواري الصحفي قبل سنوات عديدة ، ومعها اكتسبت رفاقا يسيرون معي جنبا الى جنبا في عملي حتى اليوم ، الاساتذة في هذا المجال ، نور الدين خمايسة نائب رئيس تحرير الغد في وقتها ، وعبد الكريم الوحش من الرأي الأردنية، تعلمت من خلالهم أن مادتي الصحفية لا يمكن أن تكون إلا حقوقية ، وبالنسبة لي يكفي أنها تحمل البشر فيها لتكون حقوقية بامتياز.

ولتكتسب موادي نضوجا أكبر ، ساهم في ذات الورشة سفير النوايا الحسنة كمال المشرقي في اكسابنا طرق الاستفادة من المواثيق والمعاهدات الدولية خلال الكتابة الصحفية، وضرورة استخدامها وتسليط الضوء عليها لقدرتها على الارتقاء بالوعي الجمعي للناس حول مفهوم حقوق الانسان بجميع أبعاده ، على أن لا نمل من المحاولة والتكرار حتى نصل الى الهدف وهو : “اعلاء قيم حقوق الانسان ” .

تعاملت مع مواد عديدة وملفات متنوعة ، نحجت في ربطها ربطا مباشرا بحقوق الانسان واعتدت على ذلك، ولم أعد استطيع الكتابة دونها ، حتى اصطدمت العام الفائت بورشة تدريبية حول تشجيع الكتابة عن العمالة المهاجرة ، نظمها مركز تمكين ومنظمة صحفيون لأجل حقوق الانسان ، وكانت المرة الأولى التي أدرك فيها أهمية الأمر ، وضعف عدد المواد الصحفية التي تحمل هموم العمالة المهاجرة في الأردن ، وهم يشكلون أكثر من مليون و150 ألف عامل وعاملة، وأصبت بالدهشة لضعف عدد المواد الصحفية التي تتناول واقع هذا العدد الكبير جدا .

دون تردد، كنت أول المبادرات لكتابة مادة صحفية تتناول حقوق العمالة المهاجرة ، حيث تؤكد الاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين أن العمال المهاجرين مستضعفون في كل مكان، وذلك لبعدهم عن دولهم الأم، وهو الأمر الذي يزيد من الصعوبات التي يمكن أن تواجهم بشكل عام. كما تؤكد مؤسسات المجتمع المدني في الأردن أن هذه الفئة هي من أكثر الفئات تعرضًا للانتهاكات، ما يزيد من حاجتهم للوصول إلى العدالة عبر القضاء أو سواه من أدوات الإنصاف، والواقع العملي عكس ذلك.

أسئلة تبادرت الى ذهني ، كيف لهذا النسيج أن يتم نسيانه ؟ ، ومتى ننتهي من النظر الى أنفسنا فقط ؟ ، أتحدث عن اي ملف يتخوف الصحفي/ة طرقه خوفا من اعتبارات عديدة كعدم امتلاك الوقت لتناوله ، أو فقدان الاختصاص فيه وعدم المجازفة في التعرف اليه … وغيرها من المخاوف التي لا يتسع المجال لذكرها .
أليس الجدير بممتهني مهنة الصحافة أن يمتلكوا إدراكا أوسع لفهم الواقع الذي يدور حولهم دون خوف؟! ، واذا تخوف الصحفي من شيء ، فمن يملك الشجاعة لتناوله اذا ؟ هل سننتظر بعضنا ليكتبوا تلك المواد ؟! واذا لم يكتب أحد ؟!! ألا نكتب نحن ؟!

باعتقادي، في مهنتي لا مجال للخوف عند تناول حقوق البشر ، المهم هو الاستمرار في التعلم ، وطرق جميع الأبواب دون كلل ، وأن المهمة الأصعب ليست الحصول على المعلومات، بقدر ما تكون اقناع ذواتنا الصحفية انه يمكننا فعلها والتقدم بأصوات الناس للأمام ، وأن لا نتوقف عن التعلم مطلقا في جميع الحقول التي تخدم مهنتنا ، فالتوقف يعني عدم احترام الجمهور الذي اوكلنا مهمة إيصال صوته بأمانة ومصداقية .

اعتدت تناول ملف اللاجئين السوريين في الأردن منذ 2011 ، وسمحت لي الفرصة عبر الاذاعة والتلفزيون والصحافة المكتوبة أن أكون قربهم من خلال قنوات مهمة كراديو البلد وتلفزيون أورينت مكتب عمان ، كنت استمع لهم وانقل همومهم بشتى الطرق الممكنة ، ورغم ذلك كله لم يسمح لي دخول أي مخيم لللاجئين في الأردن ، حتى مطلع هذا العام ، لم أتوقف عن تناول قضاياهم والاستماع لها ونقلها للجمهور ، وزيارتي للمخيم كانت عبر الزميل محمد الحواري الناطق الاعلامي باسم الفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأردن ، الذي ساهم في إيصال صورة اللجوء الحقيقية لنا بطرق عديدة من بينها تنظيمه زيارات للصحفيين الى مخيمات اللجوء السوري للاطلاع على الواقع عن قرب .

تقارير العمالة المهاجرة وملف اللاجئين السوريين ، خطان يجتمعان في خندق واحد مع اعلان المملكة منتصف 2017 قرارها إصدار تصاريح عمل للسوريين على أراضيها، تحت مظلة نقابة العمال، دون الحاجة لوجود كفيل.

ومع خطاب كراهية تبنته وسائل الاعلام الاردنية عديدة ، لعدم قدرتها من وجهة نظري الكتابة عن اللاجئين السوريين دون ربطهم بتردي الأوضاع في الداخل وتاثير اللجوء على حياة المواطن الاردني، لاعتقاد هذا المنصات أنها بهذا الاسلوب في تناول أوضاع اللاجئين السوريين يمكنها استقطاب الدعم والمساعدات من الخارج ، متجاهلين حجم الانشطار الذي سببته هذه الرسائل الاعلامية بين السوريين والاردنيين ، حتى بات من الصعب أن نخاطب الجمهور الأردني في قضايا اللاجئين السوريين دون ان يحدث احتكاك عنيف يبدا بأسئلة مثل : وحقوقنا نحنا ؟ ما تحكوا عن ولاد البلد مش بيكون احسن ؟ … الخ من الأسئلة التي ندرك من خلالها حجم الكارثة التي سببتها وسائل الاعلام تلك .
انجزت مادة مصورة ترصد خطاب الكرهية هذا، بعنوان : “عندما يصبح الإعلام أداة لإنتاج خطاب الكراهية

لم تثنني كل تلك التعليقات من الاستمرار في تناول لجوء السوريين في الأردن من المنظور الانساني والحقوقي ، أن أكون سببا في إيصال الحقيقة ، وفي كل مرة كنا نقف جميعا أمام تحد كبير ” عدم احتواء كثير من المواد الصحفية المتعلقة باللاجئيين السوريين على أصواتهم ، كضحايا وقع عليهم الانتهاك في تلك الملفات الصحفية ” وحيث اعتدنا في عملنا مع اللاجئين رفضهم إجراء مقابلات معنا خوفا من اعتبارات أمنية لديهم، أو خوفا من فقدان الدعم الذي يحصلون عليه أيا ً كان نوعه ، والذي يمكنهم من البقاء على قيد الأمل ، في ظل فقدانهم لحقوق كثيرة وهروبهم مطلع الامر طلبا للحق في الحياة على أقل تقدير .

كيف يمكن للخائفين أن يتحدثوا معك ؟! ربما تكون سببا في هلاك أحدهم ؟! هن أتذكر كل ما تعلمته من فنون إجراء المقابلات مع الضحايا ، لم أتردد في طرق ملف عمالة اللاجئين السوريين في الأردن ، والسبب الحقيقي من ذلك ، وحتى يدرك الناس أكثر أن هذا النوع من العمالة لا يؤثر مطلقا على فرص الاردنيين في العمل، بل يفتح فرص الاستثمار والتطور أكثر للأردنيين ، فالمهن التي سمح لهم العمل فيها هي مهن لا يمتهنها الا قلة قليلة من الأردنيين ، كالانشاءات والزراعة ، وأن العمل فيهالا يتم الا بتحقق شرط ، أن تكون عمالتهم بالمناصفة مع أردني/ة .

استطعت الوصول الى الضحايا ممن حصلوا على تصاريح ، منهم من لم يعملوا بها لعدم تمكنهم من الوصول الى أصحاب العمل الأردنيين ، وأولئك الذي يستخدمون التصريح للخروج من المخيم مثلا ، فيما وجدت عددا كبيرا يتخوف من الحصول الى هكذا تصريح خوفا من حرمانه التوطين في بلد ثالث ، وتفاصيل أوفى يمكنكم الاطلاع عليها في تقريري المعمق بهذا الشان تحت عنوان ” اللاجئون السوريون: معاناة في الحصول على “التصاريح”.. وهضم للحقوق في العمل” والذي نشر في صحيفة الغد الأردنية وموقع عمان نت الالكتروني حيث تتعاون المؤسستان مع منظمة صحفيون لأجل حقوق الانسان لنشر موادنا الصحفية.

بعد مجهود مطول وقبل نشر المادة ، اتصلت بالزميل محمد شما من منظمة صحفيون لأجل حقوق الانسان ، شكرته لدعم مؤسستهم لعملنا الحقوقي ومنحنا مساحة حرة لا نملكها عادة ً ، مؤسسة تؤمن بقدرتنا على صناعة الفرق ولا توفر جهدا لدفعنا للأمام ، وكان قدر حدثني عن ضرورة مشاركة التقرير بعد نشره في مسابقة مركز تمكين لأفضل تقارير حول العمالة المهاجرة في الأردن ، ولعدم قدرتي على تفهم منحنا جوائز لكوننا ننقل صوت الضحايا ، حاول شما اقناعي ان هذه الجوائز تساهم في انتشار المادة وقرائتها أكثر ، فالجمهور سيقرا بكثافة مادة حازت على جائزة بكل تاكيد .

بكثير من الخجل تقبلت الأمر وكنت لا أتمنى ربط الجوائز بما هو مادي ، فلن أقبل اي ثمن مقابل مادة صحفية، ولن أحول صوت أي ضحية تضمنها تقريري الى ما يمكن الاستفادة منه ماديا ، يكفي كل هذا الدعم المعنوي للمادة والاشادة بطرحها الفريد من نوعه لعمالة اللاجئين السوريين ، حيث كان التقرير الأول من نوعه الذي يجري مقابلات مع لاجئين سوريين حصلوا على تصاريح، ويناقشهم في حيثياتها برحابة صدر دون خوف ، ولا أنسى ذاك التعليق الذي وردني ضمن عدد هائل من التعليقات القيمة حول المادة وتوازنها وقوتها ، جاء فيه : “لأول مرة بحياتي بقرا مادة متوازنة بتحكي عنا بانصاف وعدالة ” ، في الحقيقة كان هذا التعليق جائزتي التي أبحث عنها .

حصد التقرير في المسابقة شهادة تقدير كأفضل تقرير معمق مع أربعة تقارير أخرى تناولت حقوق العمالة المهاجرة في الأردن ، وما أستطيع قوله أن صوتكم يصل بالمثابرة والتصميم فلا تستسلموا ولن نستسلم ، سنكون قربكم دوما ، هذا جل ما كنت افكر فيه في ذلك الوقت .

ولي تجربة اخرى ثرية وفريدة من نوعها مع منظمة صحفيون لأجل حقوق الانسان، ربما يتسع لها المجال في مقال أخر في هذه المدونة لاطلعكم وأطلع نفسي عليها أكثر .


أضف تعليق

 

*