أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

إعلانات عاملات المنازل: تكريس لثقافة التسليع

الأحد 8 نيسان 2018

أنصار أبو فارة*

نشرت القصة في موقع عمان نت: https://bit.ly/2GedHt8 “أفضل عروض عيد الأم..خادمتك بأعلى المواصفات.. خصم 5% على مختلف الجنسيات”

كان هذا محتوى أحد إعلانات مكاتب استقدام العمالة المنزلية الأجنبيّة في عمّان، وليس إعلاناً لأواني طهي أو ما شابه، يتضمن رسائل ترويجية لاستقطاب الزبون، باستخدام صنارة العروض والتسهيلات، على افتراض أن كل شيء يمكن التعامل معه كسلعة، ووفقاً لثمن.

ولا نجد اختلافاً لدى قراءة إعلان يتعلق بالعمالة المنزلية أو إعلان لبيع منتج ما، فالصيغة واحدة، تقوم على “سلعنة” العاملات في المنازل، كوسيلة لإقناع المتلقي ودفعه باتجاه الاختيار.

وإن أصبح الإعلان في الوقت الراهن أحد العناصر الرئيسية التي يتعرف من خلالها المستهلك على المنتجات والخدمات المشبعة لاحتياجاته المتجددة، فلا ضرورة للنزوع إلى المبالغة في صيغ الإعلان المستخدمة، وفي حالة مكاتب الاستقدام، لا يعتبر تقديم العاملة كسلعة استهلاكية أمراً إنسانياً، لكن الحاصل، أنّ المضمون ينحكم لمنطق السوق، إذ يلجأ المعلنون إلى إبراز القيمة الاستعمالية لما يروجون له، ومع تزايد إقبالهم على الخدمة الإعلانية، على اختلاف أنشطتهم، فقد أصبح قرار الإقبال أو الشراء في مواقف كثيرة مرتبطاً بالإعلان، وما يقدمه من عروض.
تشترك مكاتب استقدام العاملات المتنافسة في صيغة الإعلان ذاتها، متجاهلة الكيانات الأخلاقية والنفسية لتقديم الإنسان كسلعة، إذ تبين بعد رصد الإعلانات المتداولة على مواقع تلك المكاتب وصفحاتها على منابر التواصل الاجتماعي، وأيضاً في الصحف، أنها جميعها في حيز الممارسة، تقوم بوضع ثمن للعاملات، رغم أنهن ليس سلعاً في الواقع، بل طالتهنّ طقوس التسويق التي تحاكي النزعة الاستهلاكية.
وفي ظلّ غياب رقابي على محتويات الإعلانات المنشورة في وسائل الإعلام المختلفة، فقد اتسع نطاق التجاوزات من قبل المعلن، الذي وجد أن الصحيفة تمنحه حرية اختيار المضمون المراد دون تقييد.
مضمون الإعلانات
خلال شهر واحد، تتبعت معدة التقرير الإعلانات المنشورة من قبل مكاتب الاستقدام في صحيفتي الوسيط والممتاز الدعائيتين، وتم رصد منشورات 15 مكتباً على صفحاتهم عبر فيسبوك.
محتوى الإعلانات التي تم رصدها، في غالبها، متشابهة وعلى ذات النسق، إذ تتمحور حول تقديم خصومات وعروض، باستخدام عبارات (عرض خاص)، (خصم 5% على جميع الجنسيات)، (عروض نار على أسعار العاملات من أوغندا)، (استبدل عاملتك خلال 55 يوما).
بالنظر إلى طريقة العرض في الإعلانات، يبدو تسليع العاملة جليّاً، مع الحرص على إدراج صورة لعاملة بجسد جميل أثناء قيامها بأعمال التنظيف كتقنية ترويج تؤدي إلى مزيد من الجذب البصري، ليتمكن الإعلان من إحداث فعل التأثير على القارئ، الذي غالباً ما يكون في مرحلة البحث عن خدمة التنظيف المنزلي، ويتابع إعلانات لمكاتب مختلفة، ليقوم بمقارنتها، من أجل الحصول على العرض الأفضل.
ويتلقى المتابع للإعلانات المتعلقة بالعمالة المنزلية فعلياً وعوداً من المكاتب المعلنة، بتقديم الخدمة له بأفضل الميزات وأنسب الأسعار، وتتوقف تلك الوعود عند حدود التخييل، فتلك الإعلانات تقدم صورة بعيدة عن الواقع الموضوعي الحقيقي، وفقاً لأستاذ الإعلام المتخصص في وسائل الإعلام الجماهيري محمد أبو الرب.
تبث العبارات السابقة معان تتعلق بمناسبات تهم فئات واسعة من المستهلكين، فتنتهز مكاتب الاستقدام هذه الفرص لإطلاق العروض التي تتضمن خصومات على طلبات استقدام العاملات، فتنجح في جذب المتلقي للإعلان، متجاهلة أي قيم في سبيل الربح
وقد استخدمت 17.8 % من الإعلانات المرصودة كلمة (عروض / عرض خاص لست الحبايب)، بينما وظفت 48.9% من الإعلانات عبارات (أسعار منافسة أو عاملات بأقل الأسعار).
ومع تكرار أسلوب العرض ذاته في الإعلانات وفي المنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يرسخ التسليع ، فقد تعززت الصورة النمطية التي تقوم على نظرة السخرة لدى أرباب العمل تجاه العاملات الوافدات، على اعتبار أنهنّ تحت تصرف المكتب، ولا خيارات أمامهن سوى العمل من أجل توفير احتياجات عوائلهن المعدمة، ويعد ذلك مدخلاً أساسياً لاستغلالهن بكافة الأشكال.
والعاملة كامرأة ليست سلعة قابلة للإشهار الخاضع لمفهوم العرض والطلب، لكن يتم التعامل معها في ساحات السّوق الاقتصادي كشيء مفرغ من أي قيم، وتتحول إلى مادة إعلانية، ويتم الترويج لها ولاستخدامها في فعل يصنف على أنه شكل من أشكال استغلال البشر.
هل تتواطؤ وسيلة الإعلام مع المعلن؟
يعتبر الإعلان وسيلة للترويج من أجل البيع، أما مضمونه فيتحدد بما يمكن أن يفرزه من منفعة تعود على صاحب رأس المال، وعندما تسود المنفعة يصبح التسليع هو الوسيلة، ويطال البشر، مجرداً اياهم من إنسانيتهم.
من جهتها، تتنصل الصحف المعلنة من الأمر محيلة المسؤولية إلى مكاتب الاستقدام نفسها، على اعتبار أنها من تحدد صيغة الإعلان والبنود التي ستدرج فيه، دون أي تدخل من الصحيفة.
وبالتواصل مع إدارتي التسويق في صحيفتي الوسيط والممتاز، تلقينا إجابة مفادها أن الصحيفة لا تعُنى بمضامين الإعلانات، وإنما تتأكد فقط من اعتمادية المكتب من قبل وزارة العمل.
أما فيس بوك، فهو فضاء مفتوح تنشر فيه المكاتب ما يحلو لها على صفحاتها، ولا تختلف الإعلانات المنشورة عبر فيسبوك في مضمونها واتجاهاتها، وغالباً ما تبدأ بعبارات (أفضل سعر) أو (بالأقساط)، كوسيلة لجذب القارئ إلى ما يحب التركيز عليه، كما تستخدم المكاتب جميعها النموذج ذاته في الإعلان، والذي يختزل كلّ شيء في المادّة.
تلك الإعلانات، تخلق وهماً لدى المستهلك بأن وجود العاملة سيكون مصدر السعادة والراحة، عبر بث رسائل حول (دقة العمل، أفضل خدمة، أفضل الميّزات، عاملات مدربات)، فالمعادلة واضحة، أن حضور العاملة إلى المنزل سيخلق راحة لدى العائلة، وكأنّ وجود عاملة بالمواصفات السابقة يمثل معادلاً مكافئاً للسعادة والراحة، وهذا بحد ذاته إمعان في تحويل العاملة إلى ماكينة عمل فقط، وإقصاء أي بعد إنسانيّ لها.
وقد يكون الواقع في حالات كثيرة بعيداً عن الإغراءات التي قدمها الإعلان، فهناك العديد من التجارب التي اصطدمت بعقبات التعامل مع عاملات، أو تعذّر عليهنّ الاندماج مع الوضع الجديد، بحسب المختصة الاجتماعية رئيسة مركز الجندر للاستشارات عصمت حوسو.
وترى حوسو أن على مكاتب الاستقدام إيجاد آلية للتأكد من السلامة النفسية كما البدنية للعاملات، وسيكون ذلك مدخلاً لنجاحها في التعامل مع المنتفعين، دون اللجوء إلى استغلال العاملات عبر الإعلانات أو غيرها.

انتهاك لحقوق الإنسان
تكشف مديرة مركز تمكين للدعم والمساندة الحقوقية، ليندا كلش، أنّ الإعلانات التي تستخدمها مكاتب الاستقدام للترويج تعكس النظرة الدونية والسلبية لهذه الفئة، لما تحويه من تسليع واضح للبشر، عدا عن مقاطع الفيديو التي تظهر فيها عاملة تحمل رقما، وتعدد ميزاتها، ثم تدعو المتفرج إلى اختيارها من بين العاملات الأخريات.
“كل هذه الأساليب تتضمن إهانة للكرامة الإنسانية”، تعلّق الكلش، مؤكدة أن التنافس المحموم بين مكاتب الاستقدام ليس مبرراً لاستخدام هذا الأسلوب الدعائي المنافي لحقوق الإنسان، والذي يرقى إلى الرّق.
ويؤكد الخبير في الشؤون العماليّة المحامي حمادة أبو نجمة على ضرورة استخدام صيغ إعلانية أكثر إنسانية لإعلام الجمهور عن ما تقدمه مكاتب استقدام العاملات من خدمات، ولا يحيد أبو نجمة وسائل الإعلام وخاصة الصحف، عن مسؤوليتها تجاه متابعة محتويات الإعلانات، فهي بالمحصلة تسهم في ترسيخ ثقافة معينة، باستخدام عبارات معينة أصبحت دارجة.
صيغة إعلانات محددة
يوضح نائب رئيس نقابة أصحاب مكاتب الاستقدام، طارق النوتي، أن هناك صيغة محددة للإعلانات التجارية تكون ملزمة لجميع المكاتب، تتضمن الإشارة إلى الجنسيات التي يستقدمها المكتب، ومعلومات الاتصال، بالإضافة إلى مواعيد وصول العاملات، على أن تكون الإعلانات خالية من أي صور شخصية للعاملات، وأي إشارة إلى الأسعار أو إلى تقديم هدايا وخصومات خاصة.
يعتبر النوتي أنه من غير الجائز إدراج أي عبارات تقدم العاملة على أنها منتج، أمّا المكاتب التي تستخدم صيغة كهذه فهي تخالف التعليمات، وتقوم النقابة بإعادة توجيهها، مشيراً إلى أنّ نسبتها لا تتجاوز 2% فقط.
يستقدم الأردن سنوياّ ما يتراوح بين 15 – 20 ألف عاملة منزل، بواسطة 190 مكتب استقدام معتمد من قبل وزارة العمل المعنية بالرقابة عليها من حيث التزامها بشروط الترخيص، وتشغيل العاملات بموجب عقد عمل يحدد فيه الأجر وعدد ساعات العمل، وضمان تأمين صحيّ للعاملة، وليس من صلاحياتها مراقبة الإعلانات الصادرة عنها، رغم رفضها لأي مصطلحات تسيء لإنسانية العاملة. بحسب الناطق الإعلامي للوزارة محمد الخطيب.

فعلياً، لا يوجد جانب تشريعيّ لتنظيم الإعلانات في الأردن، ويبقى الأمر مرهوناً بمدى التزام المعلن ووسيلة الإعلام بالضوابط الأخلاقية من باب الشعور بالمسؤولية تجاه الجمهور والمجتمع، إذ يخلو قانون المطبوعات والنشر الأردني من أي بند يتعلق بالإعلانات، فيما تنص المادة الخامسة منه على وجوب امتناع أيّ مطبوعة عن نشر ما يتعارض وحقوق الإنسان.
وعلى الرغم من انضمام الأردن إلى العديد من الاتفاقيات والصكوك الدولية المشتملة على قواعد وتدابير عملية لمكافحة استغلال الأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال، إلا أنه لا يوجد ميثاق يتناول جميع جوانب الاتجار بالبشر.
بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة عبر الوطنية شمل تعريف “الاتجار بالبشر” سائر أشكال الاستغلال في حالة سيطرة أو استضعاف، وهو ما ينطبق على العاملة المهاجرة، والتي غالباً ما تكون مجبرة على ممارسة هذه الوظيفة، بسبب ضغوط الحياة وظروفها القاسية.
إن التسليع تغلغل في كل مناحي الحياة، وشمل البشر، وجرّدهم من إنسانيتهم، وغالباً ما تتحمل المرأة والأطفال أبشع أشكال التسليع والاستغلال، ويكون هذا تحديداً مع نساء (الطبقة العاملة) كالخادمات أو العاملات في المصانع، إذ يتعامل أصحاب تلك المهن على أنهم أرباب إحدى التجارات الأكثر ربحية، وبلا شك، أن نمط التعامل هذا يتضمن قدراً كبيراً من العبودية، وغالباً، ما تكون العاملة المهاجرة للعمل مجبرة على ممارسة هذه الوظيفة، بسبب ضغوط الحياة وظروفها القاسية.
*بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR


أضف تعليق

 

*