أكتب .. صوَر .. وثَق
إنتهاكات حقوق الإنسان

اللاجئون السوريون: معاناة بالحصول على التصاريح

الإثنين 15 يناير 2018

سونيا الزغول*
*نشرت القصة في جريدة الغد الأردنية
عمان – رغم استعداده للعمل “تحت أي ظرف كان” لإعالة أسرته، إلا أن محاولات اللاجئ السوري محمد بإيجاد فرصة عمل باءت حتى الآن بالفشل، رغم تمكنه من تجاوز عقبات مركبة، تمكن بنهايتها من الحصول على تصريح عمل زراعي.
محمد، الذي تجاهل إصابته بحساسية مزمنة في عينيه منذ 16 عاما تعرف بـ”الرمد الربيعي”، ويفترض بمن يعاني منها الابتعاد عن أية أعمال تعرضه للغبار، بما فيه غبار الطلع الناتج عن الأشجار، أسعفه حظه بالحصول على التصريح، لكن سكنه في منطقة عبين بمحافظة عجلون المشهورة بزراعاتها وحقولها الخصبة الواسعة، لم تسعفه بإيجاد فرصة عمل.
وبحسب أرقام حكومية، محمد كان من بين 63.894 لاجئا تمكنوا، بعد مواجهة صعوبات عديدة، من الحصول على تصاريح بين كانون الأول (ديسمبر) 2015 وحتى أيلول (سبتمبر) الماضي، دون أن يتمكن سوادهم من إيجاد فرص عمل، بخلاف ما تشي به التصريحات الرسمية عن الالتزامات الحكومية بتشغيل اللاجئين السوريين.
يعمل محمد في قطاع الإنشاءات بشكل متقطع وغير قانوني، ذلك أنه لم يتمكن من تحويل تصريحه من زراعي إلى إنشاءات، رغم أن ذلك متاح حسب وزارة العمل، التي أبلغ موظفون فيها محمد، عدم صدور تعميم بهذا الخصوص.
لا يختلف الواقع كثيرا حول الاستفادة الحقيقية من تصريح العمل بالنسبة للاجئة السورية مريم وبناتها، اللواتي كن يعملن في المدينة الصناعية بمنطقة سحاب دون أي تصاريح ولساعات طويلة.
مريم وبناتها في الأساس، حصلن على تصريح عمل زراعي، وبأنفسهن وبناء على طلب صاحب مصنع يعملن فيه، قمن بإلغاء التصريح الزراعي أملا بالحصول على آخر صناعي، بحسب تعهدات صاحب العمل الذي بدلا من استصدار التصريح قام بـ”طردهن” من العمل، بحجة عدم صدوره.
الوضع الاقتصادي المتردي الذي يعانيه، غالبية اللاجئين السوريين، حال دون تمكن عبد الرحمن (26 عاما)، من الحصول على تصريح عمل بقطاع الإنشاءات في الرمثا، لعدم امتلاكه 60 دينارا لاستصداره، فيما يعمل طالب الصيدلة كمال الذي يعيش مع أسرته في إربد، تحت جنح الظلام وبشكل مخالف بالمطاعم والمكتبات، ذلك أن ظروف دراسته الجامعية تمنعه من العمل نهارا في قطاعي الإنشاءات أو الزراعة.
فوضى العمل
واقع سوق العمل تصفه مديرة مركز “تمكين” للمساعدة القانونية ليندا كلش، بـ”الفوضى” في ظل غياب أرقام واضحة لأعداد العاملين من اللاجئين بمختلف القطاعات. “ثمة ضياع في العلاقة التعاقدية بين العامل وصاحب العمل بعد توقيع إتفاقيات تشغيل اللاجئين السوريين، ما يؤدي إلى عدم وضوح أجور العاملين منهم”.
في حال عدم وجود صاحب عمل، يقوم اتحاد نقابات العمال مقامه، لاستصدار التصريح، ومن واجبه المساهمة بتشغيلهم دون التأثير على العمالة المحلية، وفقا لرئيس الاتحاد مازن المعايطة.
ويلفت المعايطة إلى توقيع الاتحاد مذكرة تفاهم مع وزارة العمل لإقامة مشروع ممول من منظمة العمل الدولية لمنح تصاريح للاجئين السوريين بالإنشاءات مبدئيا، موضحا أن العدد الأكبر من التصاريح كان في قطاع الزراعة.
تقدّر دراسة أعدها الخبير الاقتصادي خالد الوزني، الإيرادات الضائعة من عدم ترخيص العمالة السورية، بنحو 11 مليون دينار سنويا، يفترض أن يوجه 6.1 مليون دينار منها لصندوق تأهيل وتدريب العمالة الأردنية.
الاجبار الإيجابي
يعد اشتراط استصدار التصريح للاجئين السوريين، بحد ذاته “اجبارا إيجابيا”، وفق وصف مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية أحمد عوض، الذي يشير إلى انطباق كافة التعليمات المتعلقة بالعمالة المهاجرة على العاملين من اللاجئين السوريين باستثناء بعض التسهيلات لهم.
اللاجئ عمر، الذي يعيش في الرمثا، بات يشعر بـ”الاطمئنان” بعد حصوله على تصريح العمل، ذلك أنه تعرض للسرقة لقاء عمله لـ”ديكورات ” قبل استصدار التصريح، دون أن يتمكن من التقدم بشكوى لتحصيل أجره، فيما يمثل صدور وثيقة تثبت عمل اللاجئ محمود، عائقا وسببا للتخوف من ضعف فرصه بالسفر أو التوطين في بلد ثالث.
وعلى العكس من شكاوى الكثير من اللاجئين، من صعوبة استصدار التصريح، يؤكد الناطق الإعلامي لمفوضية اللاجئين محمد الحواري، سهولة إجراءات استصدار التصاريح، كونها “مبادرة أردنية إنسانية”، مشيرا إلى وجود قسم قانوني يقدم الدعم القانوني والاستشارة للاجئين الذين يتعرضون للظلم.
وفي الوقت نفسه، يقر الحواري بغياب الأعداد الحقيقية والدقيقة للعمالة السورية بالمملكة، مشددا على سعي المفوضية لتصويب أوضاعهم القانونية، إلا أنه يستدرك أن إقبال اللاجئين على استصدار التصاريح ما يزال ضعيفا.
وبعد أن أكد الناطق الإعلامي باسم وزارة العمل محمد الخطيب أن “أي شكوى لأي عامل وافد أو غيره يتم استقبالها في مديريات التفتيش والأقسام بكل المديريات”، يشير إلى عقد منظمات دولية ورشا توعوية للاجئين بالتنسيق مع الوزارة سواء في نواحي الحقوق والواجبات أو إقامة الدورات الحرفية.
فيما يبدو الأمر مختلفا للمهندسة سهام، التي تستهجن عدم توفر تصاريح عمل بمهن “لائقة” للسيدات اللاجئات، “فمعظمنا يعيش وسط عائلات محافظة لا تسمح لنا بالخروج لبيئة عمل كالمزارع”.
لجأت سهام للعمل في مشغل للخياطة دون تصريح عمل، وتتلقى أجرا زهيدا لا يتجاوز 250 دينارا، والذي لا يكفي لتغطية أجرة تنقلها من منزلها بطبربور لمكان عملها، ما اضطرها للعمل بدوام إضافي يحرمها من رعاية أطفالها معظم أوقات اليوم.
شروط عمل متردية
ولا تتوقف معاناة اللاجئين عند استصدار التصريح والحصول على العمل، بل تمتد لتصل شروط وبيئة العمل نفسها. وفي ذلك، تؤكد منسقة شؤون اللاجئين السوريين بمنظمة العمل الدولية في الأردن مها قطّاع أن تصريح العمل لا يعني بشكل تلقائي ظروف عمل لائقة، وإنما “هي مرحلة يجب أن تصل بنا لتنظيم العمال بشكل كامل وحصولهم على ظروف عمل أفضل”.
وتؤكد الناشطة ليندا كلش، أن معظم الإشكاليات التي يواجهها اللاجئون السوريون الذين تابع مركز “تمكين” قضاياهم، كانت تتعلق بتدني الأجور أو تأخيرها.
ويتضمن إعلان المبادئ والحقوق الأساسية في العمل، اتفاقية عدم التمييز رقم 111، التي تساوي الأجر بالجهد وتدعو إلى عدم التمييز بذلك، وصادق عليها الأردن، إلى جانب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والعهد المدني للحقوق المدنية والسياسية، التي توفر حماية للاجئين السوريين.
يحدد قانون العمل المحلي الحد الأدنى للأجور بـ 220 دينارا للأردني، و 150 دينارا لغير الأردني على ذات العمل المقدم، “وهذا هو التمييز الأبرز”، بحسب كلش التي تشير إلى أن قطاع المحيكات ساوى بين الأردني وغير الأردني وحدد الحد الأدنى بـ110 دنانير لأي منهما.
ويذكر أن الأردن صادق على الاتفاقية رقم 118 لسنة 1962 المتصلة بالمساواة في المعاملة بين العمال الوطنيين وغيرهم في الضمان الاجتماعي، فيما لم يصادق على اتفاقية الهجرة في ظروف تعسفية، وتعزيز فرص العمل للمهاجرين رقم 143، إضافة إلى اتفاقية العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، والاتفاقية رقم 51 المتعلقة باللاجئين.
ويرى مدير مركز الفينيق أن الانتهاك الأبرز الذي يتعرض له اللاجئون السوريون يتمثل بعدم شمولهم بالضمان الاجتماعي. وأشار إلى أن نسبة التهرب التأميني في الأردن “عالية” بين الأردنيين والأجانب بشكل عام”.

وتزيد معاناة الجيل الجديد من اللاجئين السوريين، ممن لا يملكون حرفة أو مهنة يعتاشون منها، وافتقارهم للتدريب، ليجدوا أنفسهم غير قادرين على المنافسة وتنحصر فرصهم في محلات الميكانيك والكراجات، أو تدريبهم في المطاعم ، حيث يتعرض كثير منهم للانتهاكات فيها، حسبما يضيف عوض.
في السياق عينه، يلفت مازن المعايطة إلى أن الاتحاد حاول تأمين اللاجئين السوريين بالضمان الاجتماعي، حيث يشترط الحصول عليه أن يكون العامل تابعا لصاحب عمل محدد، و”عقب رفض إشراكهم وكون الاشتراك الاختياري للأردنيين فقط بحسب قانون الضمان، اضطررنا أن نوجد بوليصة التأمين كبديل للضمان يغطي حالات الوفاة وإصابات العمل، حيث يدفع اللاجئ 45 دينارا سنويا كرسوم بوليصة تؤمنه بـ15 ألف دينار”.
وأكد معظم السوريين الحاصلين على تصاريح عمل، ممن شملهم استطلاع لأحدث دراسة لمنظمة العمل الدولية، أنهم ليسوا مشمولين بنظام الضمان. فيما أفاد نحو 64 % من العمال السوريين، سواء ممن يحملون تصاريح عمل أم لا، بأن تدابير السلامة والصحة المهنية “غير كافية”.
محاولات التشغيل من خلال المنح
حاليا، تخضع قوانين ولوائح العمل لـ”المراجعة” بغية تسهيل حصول اللاجئين السوريين على تصاريح عمل وفرص عمل لائقة ووظائف رسمية، إضافة إلى وضع آلية موحدة وسهلة الفهم للمستفيدين من خدمات التوظيف، بحسب مديرة مشروع خطة الاستجابة مها قطاع.
وتجري وفقا لقطاع، مناقشة موضوع المهن المغلقة في وجه العمالة السورية، والآليات التي تسمح لسوق العمل الأردني بالاستفادة من مهارات اللاجئين السوريين.
إنشاء 22 مركز تشغيل
وفي الوقت الحاضر، يجري العمل لإنشاء 22 مركزا لتشغيل اللاجئين السوريين، حيث تم إنشاء اثنين منهم داخل مخيمي (الزعتري والأزرق) للسير بإجراءات تشغيل وإصدار التصاريح وتقديم النصيحة والتوجيه الصحيح لعدم استخدام التصريح الحر بشكل مخالف، وفقا للحواري.

ووفقا لاتفاقية تسهيل قواعد المنشأ الموقعة مع الاتحاد الأوروبي، فإن على المستثمرين في المدن التنموية تخصيص ما نسبته 15 % للعمالة السورية، وفقا للناطق باسم وزارة العمل محمد الخطيب.
إلى ذلك، يعتبر عوض تعهد الاتحاد الأوروبي بدعم الأردن ماليا، لتسهيل تشغيل اللاجئين السوريين، أنه يهدف إلى إضعاف فرص اللاجئين في السفر أو الهجرة أو التوطين في بلد ثالث.
من لندن الى بروكسل
تعتبر خطة الاستجابة الأردنية للأزمة السورية 2017-2019 الوثيقة الوطنية الوحيدة المعتمدة والتي ينبغي تقديم المنح الدولية السورية من خلالها، حيث حصل الأردن ضمن هذه الخطة بحسب الأرقام الحكومية على 4.6 مليار دولار لمتطلبات الخطة ما يعادل 40 % من مجمل الدعم.
ووافقت الحكومة الأردنية في وثيقة بشأن اللاجئين السوريين، قدمتها في مؤتمر سورية في لندن العام 2016، على السماح للسوريين بالعمل في مهن محددة مقابل تحسين فرص وصول الأردن إلى السوق الأوروبية، وحصوله على قروض ميسرة وزيادة الاستثمار الأجنبي، وبناء عليه، بسّط الأردن إجراءات تصاريح العمل ووافق على إصدارها للاجئين السوريين مجانا، حيث تغطى تكاليفها من قبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لفترة زمنية محددة.
ولكن، حتى الآن لم تنجح سوى ستة مصانع فقط من أصل 936 في المناطق الصناعية والتنموية في الأردن من التصدير للخارج ضمن اتفاقية “تبسيط قواعد المنشأ”، بحسب الناطق باسم وزارة الصناعة والتجارة ينال برماوي.
واشترطت الاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ في تموز (يوليو) 2016 وتستمر حتى العام 2026، على المصانع الراغبة بالاستفادة والتصدير، توظيف 15 %، لأول عامين، من العمالة السورية من مجمل العمالة على خطوط الانتاج المخصصة للتصدير إلى أوروبا، على أن ترتفع إلى 25 % كحد أقصى بعد العامين الأولين، وأن تشكل العمالة الأردنية 75 % .
ورغم إنشاء أربعة مراكز للتشغيل في عمان وإربد والزرقاء والمفرق لربط العاملين الأردنيين بفرص العمل المناسبة لهم في المصانع المشمولة بالاتفاقية، فإنها وبحسب دراسات “العمل الدولية”، تعاني من تحديات أبرزها إحجام العمالة السورية بشكل كبير عن العمل بالقطاع الصناعي.
ومن أجل تحفيز المنشآت الأردنية للاستفادة من اتفاقية تبسيط قواعد المنشأ، وقعت غرفة صناعة الأردن ومنظمة العمل الدولية الأسبوع الماضي اتفاقية التنفيذ لمحور تعزيز الصادرات ممول من حكومة المملكة الهولندية، والذي تقدر موازنته بـ5 ملايين يورو ولمدة 24 شهرا، حيث سيتم تدريب وتشغيل ما لا يقل عن خمسة آلاف عامل أردني وسوري في القطاع الصناعي.
واعلنت الحكومة الألمانية مؤخراً عن تقديمها مبلغا إجماليا قدره (97.4) مليون يورو للأردن كمنحة تهدف الى تنفيذ عدد من المشاريع التنموية ضمن تعهدات دعم المانيا في مؤتمر بروكسل، موضحا أن الجانب الألماني سيخصص دعما بقيمة (12) مليون يورو لمشروع التجارة من أجل التشغيل.

*بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR الكندية.


أضف تعليق

 

*